فهرس الكتاب

الصفحة 13323 من 27345

تفسير سورة الأعراف

الجمعة 29 ربيع الآخر 1398 / 7 نيسان 1978

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فمع السورة الثامنة والثلاثين ( سورة الأعراف ) ومع الحلقة الثانية من أحاديثنا حول هذه السورة ، أُوثر وأحب أن أستمر اليوم في حدود نهج الجمعة الماضية في صورة من صور التعامل مع نصوص كتاب الله جل وعلا ، وإنما يدفعني إلى ذلك حرصي الكبير على أن تكون بين يدي الإخوة من شباب أمتنا الكريمة طرائق منتجة في التعامل مع نصوص الإسلام تضع الإنسان إن شاء الله تعالى على أبواب فهم أفضل لكلام الله جلّ اسمه وكلام نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم .

وفي الجمعة الماضية أدرنا الحديث كله حول جزء من الآية التي افتتحت بها السورة الكريمة بعد الحروف المقطعة .. ( بسم الرحمن الرحيم ، المص ، كتاب أُنزل إليك ) استغرق حديثنا في الجمعة الماضية ما اقتضى أن يقال حول هذا المقطع وحسب . وفي الدرب ذاته أواصل اليوم نفس المنهج وعلى أسلوب آخر ، فقد ينبغي أن لا يسقط من ذهن أحد من الإخوة أن هذا الكتاب أُنزل من الله ليدبّروا آياته وليتذكر أولو الألباب ، والتدبّر عمل ، صحيح أن جزءه الأهم يتصل بالذهن ولكن بالرد إلى حديثنا في الجمعة الماضية فقد ينبغي أن يكون واضحًا أن أي فهم لا يتصل بالتفاعل مع صيرورة الحياة ومسيرة الحركة ومع التعامل اليومي المباشر فهو فهم أبتر وناقص ، وتدبّر دخله التحيّف على كل حال .

نواصل الآية ، وأطلب مزيدًا من الانتباه .. ( كتاب أُنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) قلت لكم سابقًا إن الحرج هو المشقة ، وذلك هو المفهوم الظاهر من المادة بتقاليبها المختلفة ، تدل على المشقة والضيق والألم وما في هذا الباب . وألفت انتباهكم إلى ضرورة المقارنة بين الطلبات القرآنية ، فهنا طلب بصيغة النهي موجه إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ( لا يكن في صدرك حرج منه ) يعني من هذا الكتاب ، فإذا فرغتَ من قراءة الآية الكريمة واجهك طلب آخر ( اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون ) فهنا طلب جاء بصيغة الأمر ، لكن ليس موجهًا بصورة مباشرة إلى شخص النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ولكنه موجه إلى الكافة ( اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ) وبالنظر إلى مدلول اللفظتين ، مرة أخرى أحب أو أؤكد على ضرورة الانتباه حرصًا على الفائدة ، بالنظر إلى مدلول الصيغتين أو اللفظين نكتشف فوارق ( لا يكن في صدرك حرج منه ) ( اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ) مع حسبان الفارق بين الصيغة الموجهة بصورة مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والصيغة الموجهة إلى الكافة فثمة فارق يحتويه اللفظ ، موضوع نفي الحرج موضوع داخلي ووجداني وجواني ، الحرج حالة نفسية تعتري الإنسان ربما يؤدي الفعل وهو يجد هذا الكره الذي يسكن في القلب للفعل فهو يؤديه صورته الظاهرة تامة ، لكن سنده الباطن مختلف . ( اتبعوا ) أيضًا صورة ظاهرة ، فالاتباع هو الانقياد ، تقول: اتبع هذا الطريق ، فتجد الإنسان المخاطب المأمور يدرج على هذا الطريق الذي أشرتَ إليه وطلبتَ إليه أن يتبعه ، لكن ما علمك بدخيلة نفسك ؟ أهو ينفذ أمرك بالرضى الكامل والطمأنينة التامة والانشراح اللازم ؟ أم هو يأتي بظاهر العمل على كره وعلى غير انشراح ؟ ذلك أمر لا علاقة له باللفظ مطلقًا ، وإذًا فثمة فرق بين أن يُقْدِم الإنسان على الفعل وهو منشرح الصدر لا يجد في فعله حرجًا ولا عنتًا ولا ضيقًا ولا ألمًا ولا شيء مما في هذا المعنى ، وبين أن يؤدى الفعل على استكراه وضيق ومشقة وتقزز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت