فهرس الكتاب

الصفحة 13322 من 27345

فالذين كفروا الذين تحدثت عنهم سورة القمر وهي تعرض نماذج منهم جاءت سورة ( ص ) لتكشف منذ البداية عن العلة التي أوصلتهم إلى أن يكونوا مهزومين حكمًا قانونًا لا يتخلف ، إن الكفر بمجرده هزيمة ، لأن الكفر له نتائج ، ونتائجه الاستكبار في الأرض ، والاستكبار في الأرض فساد عريض وشر مستطير ، ونتائجه الشقاق المستمر ، وإذًا فالمجتمع الكافر مجتمع ملغوم يمكن أن ينفجر في كل لحظة ، لكن فتيل البارود التي تشعل هذا البرميل ستفجره وستبدد هذا المجتمع المتداعي المهترء ، وجود القوة المؤمنة التي تشير بأصبعها إلى الطريق إلى الله وإلى طريقه المستقيم ، هذا شرط يجب أن يعرفه المسلمون ، وقد أبرزته فاتحة سورة ( ص ) .

( ص والقرآن ذي الذكر ، بل الذين كفروا في عزة وشقاق ، كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولا حين مناص ) وجاءت بعد ذلك الآيات التي تتحدث عن بعض الاحتجاجات على بعض النبوات كيف أنهم ( عجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) لست بصدد عرض بداية السورة ولكن أريد أن أقول إن الله تعالى حين فرغ من عرض فاتحة السورة قال ( اصبر على ما يقولون ) والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ( واذكر عبدنا داوود ذا الأيدي إنه أواب ) وينتهي من قصص داوود ، ويقول ( ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب ) وينتهي من قصص سليمان ، ويقول ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) وينتهي من قصص أيوب ، ويقول ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولو الأيدي والأبصار ، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ، وإنهم عندنا لمن المصطفَين الأخيار ، واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكلٌ من الأخيار ) ونقف هنا وقفة صغيرة لنقول ، في سورة القمر كان الانتباه مشدودًا إلى عواقب المكذبين من الأمم لكي ترعوي الأمة العربية التي كذبت محمدًا صلى الله عليه وسلم ، في سورة ( ق ) كان الانتباه مشدودًا إلى أنبياء وليس إلى أقوام ، أنبياء وضعهم الله بحكم النبوة في أفق عالٍ رفيع ، فكان منهم في بعض الأحايين ما يعتري الطبع البشري من هبوط بعض الشيء فعاقبهم وعاتبهم الله وهو عقاب وعتاب ليس من باب الزلة التي هي من زلات الآحاد وإنما هي من باب سيئات المقربين حسنات الأبرار . هؤلاء يُطلَب منهم أن يحاسبوا دائمًا على المستوى الرفيع الذي وضعهم الله جل وعلا فيه ، وبعد ذلك فكل الدعاة إلى الله جل وعلا من غير الأنبياء على قدم الأنبياء ، أراد الله تعالى منهم أمرًا ، فحين يعملون وحين يرون من المجتمع إعراضًا وحين يبطء عليهم النصر وحين تصد عنهم وتنغلق عليهم القلوب ليس لهم أبدًا أن يفتشوا عن العلل في ثنايا المجتمع ، لأن المجتمع أمانة في أعناقهم ، بل عليهم أن يفتشوا في أعماق قلوبهم . حين وصف الله هؤلاء الأخيار قال عنهم: ( إنا أخلصناهم بخالصة ٍ ذكرى الدار ، وإنهم عندنا لمن المصطفَين الأخيار ) وظني أن الكثير منكم لا يدركون بحكم النشأة اللغوية للأسف معرفة ما يعنيه هذا التركيب ( إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ) ما معنى أخلصناهم ؟ أخلصناهم معناها جعلناهم خالصين لنا ، وما هي الخالصة الأخرى ؟ هي الخصلة الخالصة المخلصة من شوائب الدنيا ، ما هي هذه الخلصة المخلصة من شوائب الدنيا ؟ هي ذكرى الدار ، وإذًا فالمعنى يكون: إنا اصطفيناهم على علم منا بهم من حيث أنهم تميّزوا بخصلة خالصة هي فوق كل الخصال وهي أنهم دائمًا يذكرون الله واليوم الآخر ، دائمًا يذكرون الدار الآخرة .

وإذًا فبداية السورة وما جاء من قصص فيها يعطينا انطباعًا بأن الله يريد أن يضع أمام نبيه صلى الله عليه وسلم أنموذجات من حياة الأنبياء الذين مضوا ، عاشوا بلايا وعاشوا محنًا وعاشوا كوارث ، وأراد الله لهم أن يبقوا كذلك دون أن يتضعضعوا ودون أن يستيئسوا ، ولهذا كانت فاتحة الكلام بالنسبة له أن يقال له ( اصبر على ما يقولون ) تلك طبيعة الحياة ، وهؤلاء هم الناس ولا حيلة في تغيير طبائع الناس ، والحل أولًا وآخرًا في الاستمرار والمصابرة على العمل وفي الصبر على سيئات الناس .

أحسب أنني كنت أريد أن أعجّل الخطى في سورة ( ص ) ولكن بدا لي في الأمس وأنا أستعرض في ذهني جوانب السورة أنني سوف أسمح لنفسي بالوقوف مطولًا إلى حدٍ ما عند السورة . الكلام الذي قلته الآن فيما أتصور يكفي في كشف الجو العام الذي تتحرك من خلاله آيات سورة صاد ، أطلب إليكم جميعًا أن تقرأوا السورة مرة ومرات لنستعدّ للأسابيع القادمة في تناول السورة .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت