بقلم /عثمان الخميس
قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) } [1] .
المبدأ الساري في القرآن الكريم: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [2] والنفس تعم الرجل والمرأة ، تلك الآيات الختامية من سورة التحريم تضع المرأة حيث يضعها عملها الذي كسبته ، فهناك امرأتان جُعلتا مثالا للذين كفروا ، هما امرأة نوح وامرأة لوط ، لم يغن عنهما شيئا أنهما كانتا زوجين لرجلين من عباد الله صالحين ، لأنهما خانتا الزوجين ، فلم تستحقا إلا أن يقال لهما: ادخلا النار مع الداخلين .
ثم هناك امرأتان أخريان جُعلتا مثالا للذين آمنوا ، هما امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، حيث سألت الأولي ربها أن يجعل لها بيتا في الجنة ، وينجيها من زوجها فرعون وعمله ، ومن القوم الظالمين ، وحيث أحصنت الثانية فرجها، حتى استحقت أن ينفخ الله فيها من روحه ، وكانت من القانتين .
فالمرأة في القرآن إن فسدت كانت مثلا للذين كفروا ، وان صلحت كانت مثالا للذين آمنوا.
منتهى العدل والإنصاف والمساواة في إحلال المرأة محلها ، ووضعها موضعها . ويغيب العدل والإنصاف والمساواة إذا نظرنا إلى واحد فقط من الأمرين السابقين .
نضل إذا نظرنا إلى الشق الأول وحده ، فجعلنا منها مثالا للشر ، ونضل إذا نظرنا إلى الشق الثاني وحده، فجعلنا منها مثالا للخير.
وإذا كانت المرأة الفاسدة قد ضُربت مثالا للذين كفروا فكفي المرأة شرفا وتكريما أنها ضربت مثالا للذين آمنوا إذا صلحت ، والعكس صحيح .
فهذه مكانة لم يذكرها القرآن الكريم للرجل واختص بذكرها المرأة المؤمنة الصالحة، وإن كانت بمقتضى وحدة المبدأ يعم المرأة والرجل { بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } [3] .
كان ذلك في بالي وأنا أقرأ الآية الكريمة"أومَن ينشّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين"إذ شاع وذاع أن المرأة في هذه الآية تنُشٍّأ في الزينة ونعومة العيش، فيورثها ذلك هشاشة وضعفا ، إذا خوصمت لا تقوى على إقامة دعوى ، ولا تقرير حجة ، وإذا احتاج الأمر إلى امتشاق الحسام لم تغن غناء الرجل ولم تسد مسده، تجد ذلك في القرآن الجليل للإمام النسفي وما لا أحصي من كتب التفسير. لكن في أوضح التفاسير لمؤلفه ابن الخطيب إشارة واضحة إلى الرأي الذي تبنيناه ، وفي ظلال القرآن لمؤلفه السيد قطب إشارة لامحة إليه .
فقلت: ترى هل تعبر هذه الآية عن رأي القرآن في المرأة ؟ لنقرأ هذه الآية في سياقها القرآني ، ووجدت السياق يقدم هذه الآية على النحو التالي: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) } [4] .