فهرس الكتاب

الصفحة 985 من 27345

د. محمد بن عبد العزيز الشريم * 14/10/1426

من المؤكد أن التصدي لموضوع بالغ الأهمية كالتربية المعاصرة في مقالة واحدة يُعدّ ضربًا من التبسيط الموغل في الخيال، ولكن مما لا شك فيه أن لأزمة التربية نقطة بداية محددة، ثم تتشعب لتشمل جوانب متعددة ربما تكون الإحاطة بها من الأمور بالغة الصعوبة، فضلًا عن علاجها.

لا أحسب أن هناك موضوعًا يشغل لبّ الجميع مثل التربية في هذا الزمن الذي رُزئت فيه الأمة بأبشع إفرازات الحضارة الغربية، التي نحتاجها ونعتمد عليها، ولكننا في الوقت نفسه نصطلي بنيرانها. ولذلك فليس في تقديري أنه من التهويل والمبالغة أن نصف حالنا مع التربية بأنه أزمة.

من المسؤول؟

ليس هناك شك في أن المجتمع بكافة شرائحه وطبقاته مسؤول عن تربية أبنائه، وأنه يتحمل تبعات تلك التربية، وأنه كذلك المستفيد الأول من نجاحه في تربيتهم وأنه -في الوقت نفسه- الخاسر الأكبر من إخفاقهم. ولكن السؤال المحوري الذي يجدر بنا طرحه: من هو المجتمع؟ وكيف نمسك بزمام المسؤولية المهملة في تبعات المجتمع المعاصر لنلقي باللائمة على من قصّر في دوره تجاه التربية؟

البحث عن إجابة لمثل هذا السؤال سيقودنا حتما إلى الدخول في حلقة مفرغة؛ حيث إن البيت والشارع والمسجد والمدرسة، بل والدولة بكافة قطاعاتها تشترك في المسؤولية، وتتحمل التقصير الناتج عن ضعف القيام بمهامها، ولكن كل طرف يلقي بالمسؤولية الكبرى عن الإخفاق أو التقصير على الأطراف الأخرى. وهذا في تقديري هو جوهر أزمتنا التربوية!

ملامح الأزمة

نعاني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من إشكالية متجذرة ساهمت المتغيرات الحديثة -ومن أبرزها الطفرات الاقتصادية والانفتاح العالمي- في جعلها سمة لبعض المجتمعات التي صاغت -ربما دون وعي منها- منظومتها الاجتماعية وفقًا لتك المتغيرات، ونتج عن ذلك مزيج متهالك أنتج بناء ثقافيًا وفكريًا وأخلاقيًا هزيلًا لا يستطيع الصمود أمام تحدّياته المحلية، فضلًا عن التحديات العالمية الكبرى.

أبرز ملامح الأزمة التربوية تكمن في ضعف القدرة على استشعار المسؤوليات الملقاة على عواتقنا، بل وانعدام الرغبة في ذلك. وبهذا أصبح كثير من أفراد مجتمعاتنا يجيدون فنًا قلّما يتقنه غيرهم، ألا وهو تبرير التقصير وإلقاء اللوم في ذلك على الآخرين. هذه الحالة النفسية التي تكوّنت في العقل الجمعي ثم تجذّرت بعد بضعة عقود من الإهمال التربوي تتزايد حدتها حتى إن الشخص ربما يسمع -على سبيل المثال- من يسوّغ للمجرم جريمته؛ لأن المجتمع لم يوفر له وظيفة محترمة! قد يكون المجتمع وفّر له وظيفة مقبولة أو حتى متواضعة، ولكن كونها ليست محترمة أعطاه مسوغًا نفسيًا ليرتكب جريمته، بل ويمتد التسويغ ليجد من يسوّغ له ارتكابها!

كيف نواجهها؟

هذه الحالة النفسية الناتجة عن ظروف مختلفة ومتجدّدة لم تحظ باهتمام تربوي كافٍ على المستوى التطبيقي. ربما يكون الجانب التنظيري لهذه القضية شغل كثيرين عن نقل تلك المهمة إلى حيز التنفيذ ابتداء من الأسرة وانتهاء بالمؤسسات التعليمية العليا. ولكوني لست متفائلًا بأن توكل مثل هذه المهمات الحيوية إلى مؤسسات ضعيفة الصلة بأبنائنا وبناتنا في هذا الزمن المتأزم بالمتغيرات لتتولى المسؤولية وحدها، فإني أرى أن نستثمر بجدية في برامج التربية المنزلية التي يقوم عليها الآباء والأمهات، وربما الأقارب حتى نحقق أهدافنا.

نتائج التربية المنزلية التي نباشرها بأنفسنا كآباء وأمهات سوف تكون -بإذن الله- اللبنة الأولى وحجر الأساس لتفعيل بقية قطاعات المجتمع لتبني عليها ما يمكن أن يكون برنامجًا تربويًا متكاملًا، لاسيما في ظل تزايد المسؤوليات التربوية التي تضطلع بها القطاعات التربوية خارج نطاق المنزل والأسرة. وضعف القيام بهذه المسؤولية -في تقديري- هو مكمن الخلل الذي نشأت عنه أزمتنا التربوية المعاصرة التي جعلت بعض المؤثرات التي يتعرض لها أبناؤنا لفترة قصيرة تجرّهم إلى الهاوية بشكل يشابه فعل السحر فيهم.

لا يكفي أن تكون الرغبة صادقة في تربية أبناء صالحين ما لم يكن الآباء والأمهات على وعي بالمسؤولية الملقاة على عواتقهم وأهمية استجابتهم لمتغيرات التربية المعاصرة؛ إذ إن كثيرًا منهم يربي أبناءه بالطريقة نفسها التي ربّاه بها والداه. فبعضهم تربّى على الضرب والقسوة وربما التهديد بالطرد من المنزل، وكان هذا الأسلوب مجديًا معه في زمن لم يكن أصحاب السوء مستعدين لتلقّفه وجره معهم إلى مهالك أعظم وأطم، كما هو الحال الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت