فهرس الكتاب

الصفحة 23916 من 27345

د. عبد الله الزبير عبد الرحمن*

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن وآلاهم واتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين..أمَّا بعد:

فأوعية الزكاة هي مواعينها التي يجب أن يتبيَّنها العاملون في جباية الأموال المستحقة للفقراء والمساكين ولابن السبيل والغارمين وغيرهم من أصناف المستحقين للزكاة، إذ بدون التعرُّف عليها، وعلى عناصرها، ومواصفاتها، وشروطها التي تجب بها الزكاة فيها؛ قد يقع خطأ كثير، وتعدٍ على الحقوق، وتعسُّف في الأخذ والإجباء.

ولهذا اهتم ولاة أمر الزكاة في بلادنا بهذه الأوعية، وخصصوا لها ورقة تعرض مفهومها وما جدَّ فيها من أموال مستحدثة يمكن إلحاقها بأشباهها وأمثالها، وبالتالي تُكثِر أموال الفقراء والمساكين، وتُسهِم في إضعاف الفقر وتلاشيه من مجتمع المسلمين.

لذا استجبنا للكتابة في هذا الموضوع المهم على قلة الزاد ووهن الراحلة، وقد عرضت له من خلال أربعة مباحث، أولها: مقدِّمة تعريفية للوعاء ووعاء الزكاة في اللغة والشرع والاصطلاح، وثانيها: في ضمّ وعاء كبير جديد بقيَ خارج أيدي ولاة أمر الزكاة، وهو وعاء زكاة الأبدان، وثالث المباحث: بحث أصولي عن تحديد الأصل في الأوعية، هل التوسيع والإلحاق، أن التضييق والاقتصار على المنصوص، مع تفريعات ما يترتب على هذا الأصل، ورابع المباحث وآخرها: فيما جدَّ من أوعية واستحدث من أموال يمكن إلحاقها بأوعية الزكاة.

أسأل الله تعالى أن يتقبَّل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يعين به بيان الحق، ويُعبِّد به طريق الخير والصلاح للأمة وولاة أمرها، والحمد لله رب العالمين.

المبحث الأول

مفهوم وعاء الزكاة

الوعاء في الوضع اللغوي:

الوعاء في أصل اللغة من وَعَىَ يَعِي وَعْيًَا، يأتي بمعاني الحفظ، والجمع، والإمساك، والإدخال، والتوثيق، والاستيعاب، والولاية، والظرف، والمصدر ( [1] ) ، والوعاء الظرف على شيء من الخصوص ( [2] ) .

ولعلَّ استخدام هذه اللفظة كمصطلح خاص لمصادر الزكاة، كان لمعنى الظرف والمصدر والجمع والاستيعاب والإدخال، فهذه معاني تصدق في عمليات جمع الزكاة، وتحديد مصادرها وأنصبتها، واستيعاب أموالها، وإدخال كل ما تجب فيه الزكاة من مال ظاهر وباطن.

الوعاء في الاستعمال الشرعي:

لقد وردت مادة الوعاء في القرآن والسُّنَّة بمعانٍ قريبة لأصل الوضع اللغوي، ومن ذلك:

في القرآن الكريم:

ـ قوله تعالى (وجمع فأوعى) ( [3] ) والمعنى هنا الإمساك ( [4] ) .

ـ وقوله تعالى (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ( [5] ) .

والوعاء هنا: ما يُحفظ فيه المتاع ويصونه ( [6] ) .

ـ وقوله تعالى (والله أعلم بما يوعون) ( [7] ) من الإمساك ( [8] ) .

ـ وقوله تعالى (لنجعلها لكم تذكرةً وتعيها أُذُنٌ واعية) ( [9] ) أي: حافظة سامعة عاقلة ( [10] ) .

في السُّنَّة الشريفة:

ـ حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: (نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فحفظها وبلَّغها) الحديث ( [11] ) .

ـ حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم، فأمَّا أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم ( [12] ) .

وهنا الوعاء بمعنى الظرف ( [13] ) .

الوعاء في الاصطلاح الفقهي:

لم يكن مشهورًا لدى الأقدمين استخدام هذا المصطلح فيما استُعمل فيه عند المتأخرين، حيث صار عند الفقهاء يُراد به: مصدر الزكاة التي تؤخذ منه وتُجمع، وتُتَحصَّل، وهو المراد بالأموال التي تجب فيها الزكاة.

المبحث الثاني:

وعاء الزكاة بين الأبدان والأموال

من المشهور عند الفقهاء أن الزكاة على نوعين ( [14] ) :

النوع الأول: زكاة الأموال، وهي التي عرفوها بأنها إخراج مال مخصوص من مال مخصوص بلغ نصابًا لمستحقه .. أو بأنها أخذ شيء مخصوص من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة ( [15] ) . فهي الزكاة التي تجب في الأموال وفيه قول الله تعالى (خذ من أموالهم صدقةً تطهِّرهم وتزكيهم) ( [16] ) .

أمَّا النوع الثاني: فهي زكاة الأبدان، وهي زكاة الفطر ( [17] ) ، وهي الزكاة التي تجب على الأشخاص والأفراد ولا تتوقف على المال، ولذلك لم يعتبر الغنى فيها ولا حولان الحول لغرض النماء، وإنما اعتبر الشخص والأشخاص وأعدادهم وأنواعهم، وهكذا فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ( [18] ) . وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة أو صغير أو كبير، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ( [19] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت