فهرس الكتاب

الصفحة 23917 من 27345

ومن المعروف لدى عامة الفقهاء ـ سابقين ولاحقين، قدامى ومحدثين، السلف والخلف ـ أن وعاء الزكاة لا يتكون إلا من المال، وأقصد الزكاة المأمور بأخذها من الأغنياء وبردها على الفقراء، وهي الزكاة التي يلي أمرها ـ جبايةً وصرفًا ـ ولاة الأمور والحكام. فالمال هو الوحيد الذي عُرف عند عامة الفقهاء أنه يمثِّل مصدر هذه الزكاة ووعائها. ولم يكن للأبدان اعتبار ولا مكان في أوعية الزكاة، مع أنها وعاء لزكاة واجبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين مرةً في العام القمري على الأبدان والأشخاص، هي زكاة الفطر.

فهل يعني ذلك أن الأبدان لا تصلح بأي حال أن تكون من أوعية الزكاة؟ وهل يجب أن تبقى زكاة الفطر في منأى عن ولاية الدولة وأمر الحُكَّام، لا تخضع لولايتهم لا تنظيمًا ولا تقسيمًا؟

والجواب: أنه قد استقر حال المسلمين عبر قرون عديدة على أن تكون زكاة الفطر في منأى عن الولاية العامة، وعن أيدي الحُكَّام وولاة الأمر، وبقيت خارج الزكاة التي يلي أمر جبايتها وصرفها الولاة والحكام، لتكون زكاة شخصية يقوم بأمرها الأفراد، يخرجونها ويقسمونها في مصارفها ولمستحقيها بأنفسهم دون أي مساع من الدولة في التدخُّل لتنظيمها جبايةً وصرفًا.

ولا أدري هل بحث الفقهاء هذه المسألة من هذا الوجه، وفصَّلوا فيها ووصلوا إلى رأي يمنع تدخُّل الدولة الإسلامية والحكومة المسلمة في تولِّي أمرها؟ أم أنهم رأوا أنها قضية مسلَّمة لا تحتاج إلى بحث، ولا إلى نظر أو تجديد نظر، مسايرة لحال الأمة، وتحكيمًا للواقع، واعتمادًا عليه اعتبارًا له؟ لا أدري!! .. غير أني لمحت للشيخ الدكتور"يوسف القرضاوي"في فقه الزكاة إشارة إلى نوع ما أريد الكلام عليه وإقراره والدعوة إليه، وذلك في معرض التعليل لجواز إخراج زكاة الفطر من بعد نصف الشهر على أنه أيسر على الناس، فدعَّم ذلك بقوله:"وخاصة إذا كانت الدولة هي التي تتولى جمع زكاة الفطر، فقد تحتاج إلى زمن لتنظيم جبايتها وتوزيعها على المستحقين، بحيث تشرق شمس العيد وقد وصل إليهم حقهم، فشعروا بفرحة العيد وبهجته كما يشعر بها سائر الناس"أ هـ ( [20] ) .

والذي نريد أن نبحث عنه ونصوِّب الكلام عليه هو: هل الأبدان يمكن أن تكون وعاءً للزكاة العامة التي تتولى أمرها الدولة أم لا؟

والبحث في هذه المسألة على النحو الآتي:

الذي نتصوَّره مما يمكن أن يبرز من آراء تجاه هذه القضية، أن يكون الناس على رأيين:

ـ رأيٌ يقرّ الواقع والحال الذي مضى على المسلمين هذه القرون، فيقول إنَّ الأبدان ليست وعاءً للزكاة، وأنها تبقى بعيدًا عن الدولة وولايتها، وتستمر خاصةً بالمُزكِّي ومحيطه ومعارفه من المستحقين.

ـ ورأيٌ يمكن أن يطالب الواقع بالتغيُّر، ويطالب المسلمين أن يُخضِعوا زكاة الفطر إلى سلطان الحاكم وولاة الأمر، وأن يعتبروا الأبدان من عناصر وعاء الزكاة ومكوِّناته. وتفصيل ذلك كما يلي:

الرأي الأول:

يمثِّل هذا الرأي عامة الفقهاء خاصة من المتأخرين والمعاصرين، حيث يرون أن الأبدان والرقاب والرؤوس لا تكون وعاءً للزكاة، كما أن زكاة الفطر لا يلي أمرها الحاكم وولي الأمر، وإنما هي زكاة شخصية يقوم بأمرها الأفراد جبايةً وصرفًا.

ويمكن الاستدلال لهذا الرأي بأمور، منها:

أولًا: إنَّ وجوب وفرضية زكاة الأموال مقطوعٌ فيه وخلاف بين العلماء في ذلك، بينما زكاة الأبدان [الفطر] غير مقطوع بفرضيتها ووجوبها، وقد ذهب بعض العلماء إلى سنيتها وعدم وجوبها، كابن اللبَّان من الشافعية، وبعض متأخري المالكية، وبعض الظاهرية، والأصم من المعتزلة، وغيرهم ( [21] ) . فكيف تكون زكاة الفطر كزكاة المال ؟ وكيف تعتبر الأبدان من أوعية الزكاة وزكاتها غير مفروضة كالأموال ؟

والجواب على هذا الاستدلال من وجوه:

الوجه الأول:

إن جماهير العلماء قد أكدوا فرضية زكاة الفطر ووجوب إخراج زكاة عن الأبدان، وقد ذهب إلى وجوب زكاة الفطر الأئمة الأربعة وأئمة المذاهب الأربعة وأئمة الظاهرية، فأكثر أهل العلم على أنها واجبة ( [22] ) . وما اتفق عليه الأكثرون وجماهير علماء الأمة، لا يُرك لشواذ.

الوجه الثاني:

أمَّا ما رُوِيَ عن ابن اللَّبان من الشافعية، فقد ردَّ عليه أئمة المذهب الشافعي، فقال النووي عنه:"هذا شاذ منكر بل غلط صريح" ( [23] ) .

ـ وما رُوِيَ عن أشهب، فقد ذكر ابن عبد البر عن أشهب أنه قال: سألت مالكًا عن زكاة الفطر أواجبة هي ؟ قال: نعم ( [24] ) . فكيف يُنقل عن أشهب أنه قال بسنيتها ؟ ولعلهم أرادوا ما قاله ابن أبي زيد في الرسالة:"زكاة الفطر سنة واجبة"فإنه إنما فسَّرها قائلًا: زكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم على كل كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد من المسلمين ( [25] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت