الحمد لله المتفرد بالملك والتدبير . ذلكم الله ربكم له الملك ، والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خلق السموات والأرض بالحق ، ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ، وله الملك يوم ينفخ في الصور ، عالم الغيب والشهادة ، وهو الحكيم الخبير . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، البشير النذير ، والسراج المنير ، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، وينجيهم بهديه من عذاب السعير . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومن ترسم هديهم ، واتبع منهجهم ، وسلم التسليم الكثير . أما بعد ، فاتقوا الله أيها المسلمون ، واحذروا الشرك وما يؤدي إلى الشرك ، فإن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا . معاشر المسلمين: إن من منهج إبليس - أعاذني الله وإياكم منه - إن من منهجه استغلال العواطف ، وتوظيفها ليقود الناس إلى الشرك بالله ، فيستغل الأحداث والمواقف ، إذ إن وظيفته أن يجتال الناس من جنة التوحيد إلى حظيرة الشرك ، وإنما يوظف في سبيل ذلك عواطف الناس ، خاصة عندما تتأجج في القلوب ، وتتأثر بالرزايا والخطوب ، فيستغلها الشيطان المريد أسوأ استغلال ، ليصرف الناس عن توحيد ذي الجلال ، ويوقعهم في أصفاد الشرك ، ويقودهم إلى الزيغ والضلال ، ليضمن مصاحبتهم له في دار البوار والسلاسل والأغلال . وتأمل يا عبد الله ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كنيسة رأتها بالحبشة ، وما فيها من الصور ، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح ، أو العبد الصالح ، بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله . أخرجاه . قال القرطبي رحمه الله تعالى: وإنما صوروا تلك الصور ليتأسوا بها ، ويتذكروا أفعالهم الصالحة ، فيجتهدوا كاجتهادهم ، ويعبدوا الله عند قبورهم . قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهؤلاء جمعوا بين فتنتين ، فتنة القبور ، وفتنة التماثيل . وقال رحمه الله: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور ، هي التي أوقعت كثيرا من الأمم ، إما في الشرك الأكبر ، أو فيما دونه من الشرك . عباد الله: نصرة للحق ، وحماية لجناب التوحيد ، فإني أقول وأوجز ، وإنما أوجزت لكي يبقى الكلام راسخا في الذهن ، مستقرا في الفهم ، ولا يستعصي حتى على البليد . ولما كان الأمر ما رأيت ورأيتم ، وما سمعت وسمعتم ، وما قرأت وقرأتم في وسائل الإعلام على مختلف تنوعها ، ثم ما رأيناه من السكوت ، فقد وجب علينا البلاغ ، والله من وراء القصد ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . أيها الأحبة: غيب الموت قادة وكبراء ، كان لهم أثر في أممهم وشعوبهم ، فاستغل الشيطان ما في قلوب خلفائهم ، وشعوبهم ، وأتباعهم من عاطفة فوجهها وجهة غير شرعية ، فأقيمت لهم أضرحة ، وبنيت على قبورهم الأبنية ، ودفنوا في مساجد شيدوها ، لتقام فيها الصلاة ويذكر فيها اسم الله ، ولكنها بعواطف زائفة ممن بعدهم ، تحولت من غاية إنشائها إلى وثن يعبد ، إن لم يكن في الحاضر ، فلا من يضمن أن لا يكون ذلك في المستقبل . فإن الشيطان يصيرها كذلك بعد حين . وفي صحيح مسلم قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الأسَدي: ألا أبعثك على ما بعثي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته . والقبر المشرف هو القبر الذي يتبين عن سائر القبور ، فالواجب أن يسوى بسائر القبور لئلا يظن بصاحب هذا القبر خصوصية ما ، ولو بعد حين . فهو وسيلة للغلو فيه ، واتخاذه وثنا يعبد . وقد نهى صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه . أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه . قال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى . و قال صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . أخرجه مالك في الموطأ . وفي السنن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج . ومعناه: أن توقد السرج عندها ليلا ونهارا تعظيما وغلوا فيها . ولو تأملت أخي الحبيب جمعه صلى الله عليه وسلم بين الزائرات والمتخذين السرج ، تبين لك أن المشتَرَك بينهما هو رقة العاطفة ، وقلة التمييز ، وضعف الصبر . ولا ريب أن إيقاد الشموع ، ووضع الزهور ، واجتماع الزوار من كل ملة ، رجالا ونساء ، إنما هو من سنن أهل الكتاب ، وليس في سنة سيد المرسلين ، ولا أصحابه ولا التابعين من ذلكم من شيء ، فهو بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم هو أيضا تشبه بالكافرين ، ومن