تشبه بقوم فهو منهم . وهو أيضا من النياحة ، التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها ، ولعن النائحة ، والشاقة ، والحالقة ، وكل ذلك لما فيه من إظهار الجزع ، والتسخط . وعدم الرضا بما قدر الله على عبده وقضى . وقد بكت حفصة رضي الله عنها على أبيها عمر رضي الله عنه حين حضرته الوفاة ، فقال لها: مهلا يا بنية ، ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . أيها المسلمون: إن مكانة المرء عند أهله ، أو في قومه ، مهما علت فإنها لا تبيح لأهله وأتباعه أن يغلوا فيه ، أو أن يكون فقده وسيلة للشرك بالله . وعليه فإن ما رأيتم من أضرحة أقيمت ، وقبور وضعت في ساحات مساجد أسست للذكر والتوحيد ، إن هذه الأضرحة نقض لما بنيت له ، وهدم للتوحيد الذي أرسلت به الرسل ، وأنزلت من أجله الكتب ، وأريقت في سبيله الدماء الزاكية ، وأنفقت في نشره الأموال الطائلة . ووالله ثم والله ، لن تقوم للأمة قائمة أبدا ما لم تنق عقيدتها من شوائب الشرك ووسائله ، وتقطع في سبيل التوحيد ما يلقيه الشيطان في طريق ذلك من وسائله وحبائله . فبكل وضوح واختصار ، لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تبنى القبور أو تشيد ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن توضع القبور في المساجد ، وإنما يدفن الميت من المسلمين في مقابر المسلمين . إخوة الدين والعقيدة: لا تزال الأحداث تثبت لنا بين فينة وأخرى تميز هذه البلاد ، وأهل هذه البلاد ، وحكام هذه البلاد ، نسأل الله أن لا يغير حالنا هذه إلا إلى أفضل منها وأكرم ، فإنها ولله الحمد والمنة قد دفنت قادة عظاما ، منهم من غير مجريات التأريخ - كما يقولون - كالمؤسس رحمه الله وغفر له ، وبارك في عقبه ، ومن خلفه من أبنائه ، ملوكا ووزراء ، وقادة وكبراء ، وسادة وعلماء ، وكلهم جمعهم تراب واحد ، لم يقم لأحد منهم ضريح ، ولم توقد على قبره شمعة أو سراج ، نسأل الله تعالى أن يثبتنا جميعا على هذا الحق ، وأن يوفق من وقع في مخالفته أن يعيد الأمور إلى نصابها ، وأن يسوي قبر فقيده ، وحبيبه بقبور المسلمين ، فإن هذا من أعظم البر ، بل هو أعظمه . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ؟ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين . بارك الله لي ولكم .... الخطبة الثانية: الحمد لله ، فضلنا على سائر العباد بتوحيده . ومن علينا بدين قيم نقوم فيه بتسبيحه وتمجيده . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خلق الجن والإنس لعبادته وتوحيده . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، خير رسله ، وأفضل عبيده ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ما ملأ الصباح بلبل بتغريده ، وسلم تسليما . أيها الأحبة: هذه قصة في استغلال العواطف ، ولكنه استغلال يجير الأفعال إلى ما يرضي الله ، ويلجم العاطفة بلجام الحب في الله ، ويوثق عراها بما يرضي الله ، فيغير مسارها عن ما يغضب الله ، ويقودها بقلوب راضية إلى رضوان الله . إن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بعد غزوة حنين ، وانتصاره فيها قسم الغنائم ، فأعطى فلانا وفلانا ، من رؤساء قريش ، حتى شاع في الناس أن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة ، فانتزعت رداءه ، فقال: أيها الناس ردوا علي ردائي ، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا . وكان هذا الحدث كفيلا بإحداث شرخ في جدار البناء ، إذ لم يعط الأنصار من تلك الغنائم شيئا ، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء ، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال: يا رسول الله ، ما أنا إلا من قومي ، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ قالوا: بلى ، الله ورسوله أمن وأفضل . ثم قال: ألا تجيبوني معشر الأنصار ؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ورسوله المن والفضل . قال: أما والله لو شئتم لقلتم ، فصدقتم وصدقتم ، أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك . أوجدتم يا