فهرس الكتاب

الصفحة 18585 من 27345

&&توفيق علي

رغم أن النبي لم يشهدها إلا أنها سميت بالغزوة، لأهميتها في ترسيخ دعائم الدولة الإسلامية وبث هيبتها في نفوس المناوئين والمنافقين .. فقد صمد ثلاثة آلاف من المسلمين أمام مائتي ألف من الروم، وضرب القادة المسلمون والمجاهدون كذلك دروسًا رائعة في الثبات والرجولة والتضحية فداءً ونصرة لهذا الدين.. إنها غزوة مؤتة التي وقعت أحداثها في العام الثامن للهجرة المباركة. ومن المهم أن نشير بداية إلى أن التربية النبوية كانت تتماشى مع التوجيهات القرآنية وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة.

فمن التوجيهات القرآنية: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على"تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى"تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) . (الصف) .

ومن التوجيهات النبوية: 1 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"انطلق رسول ص وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، فقال رسول الله ص: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال عمير بن الحمام: بخ. بخ، فقال: رسول الله ص: ما يحملك على قولك: بخ.بخ؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل" (1) .

"إن فكرة الشهادة والأمل برضوان الله ودخول الجنة قد أثبت التاريخ أنها أقوى دافع في هذا الوجود للمواجهة والموت". (2)

وهذا ما ربى عليه رسول الله صحابته رضي الله عنهم أجمعين.

كانت غزوة مؤتة وقوادها الثلاث قد قدموا نماذج لحب الاستشهاد وحب الجنة والشوق إليها، وكأن يوم استشهادهم يوم عُرس لكل منهم، فلنقف مع هذه الغزوة وقفات سريعة:

الوقفة الأولى: سبب الغزوة

كان رسول الله قد بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأوثقه رباطًا ثم قدمه فضرب عنقه. (3) لهذا السبب جيّش النبي جيشًا لغزو الروم.

إن الجماعة المسلمة لا بد أن ُتشعر الفرد بقيمته عند قيادته وأن الجيش كله ُمستعد أن يخوض معركة للثأر له، وأنه لا يجوز أن يذهب دم الشهيد هدرًا.

وعلى الجنود أن يعوا أن ذلك مرهون بإمكانات الجماعة المسلمة؛ لأن رسول الله ص في مراحل الضعف كان يمر على آل ياسر ويقول لهم: صبرًا فإن موعدكم الجنة، ومأساة بئر معونة التي راح فيها سبعون من خيار المسلمين لم يتمكن رسول الله ص من الثأر لهم.

الوقفة الثانية: وصية رسول الله للجيش المسلم

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال:"بعث رسول الله ص المسلمين إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج. وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله وسلموا عليهم. فلما ودعوا عبدالله بن رواحة بكى. فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول الله ص يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار وإن منكم إلا واردها كان على"ربك حتما مقضيا 71 (مريم) . فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين. فقال ابن رواحة:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة

وضربة ذات قرع تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزة

بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي

يا أرشد الله من غاز وقد رشدا

وشيعهم رسول الله ص إلى ثنية الوداع، ثم وقف وهم حوله وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا، اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدًا... وستجدون رجالًا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم، وستجدون آخرين في رؤوسهم مفاحص المقصود عشعشة الشيطان بالكفر في رؤوسهم فاقلعوها بالسيوف. لا تقتُلن امرأة ولا صغيرًا ولا كبيرًا فانيًا ولا تغرُقن نخلًا ولا تقلعن شجرًا ولا تهدموا بيتًا (4) .

الوقفة الثالثة: كيف واجه القادة عوامل الضعف النفسي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت