فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحمد لله عظيم المنن ، دافع النقم و المِحَن ، ذي الفضل و النعماء على من آمن به و تولاه ، و ذي العزة و الجبروت و البأس الشديد على من حادَّه أو عاداه .
و صلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و آله و صحبه و من والاه ، ثم أما بعد .
فإن الله تعالى مذ خلقنا و كرمنا و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا لم يتركنا هملًا نهيم على وجوهنا دون أن يبين لنا سبل الرشاد ، بل بعث فينا نبيه المصطفى صلى الله عليه و سلم بما يصلح العباد و البلاد ، و يسوس الدنيا و أهلها إلى يوم المعاد ، فتوفي عليه الصلاة و السلام و ما من خير إلا و دلنا عليه ، و لا شر إلا حذَّرنا منه ، و أخذ بحُجَزِنا يصرفنا عنه ، و لا علم ينفع في دينٍ أو دنيا إلا أوقفنا عليه .
و لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم بربه و ما من طائر يقلِّبُ جناحيه ، في السماء إلا و قد ذكر لأصحابه منه علمًا ، كما روى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي الدرداء و أبي ذرٍّ رضي الله عنهما .
فهل يظن عاقل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد عرف ما ستؤول إليه أمور أمته من بعده و أخبر به و بالغ في بيانه ، و ذِكْرِ أشراطه ، و التحذيرِ من أشراره ، يدعنا و شأننا في مجابهة المحن ، و مواجهة الفتن ، دون أن يبين لنا في ذلك سبيلًا رشَدًا ، فيأتينا العقلاء منه بقبسٍ أو يجدوا في شرعِه هدى ؟!
كلا و الله ! ما كان الأمر كذلك ، و ما ينبغي له أن يكون ، فقد علَّمنا من لا ينطق عن الهوى كيف نعامل الأمراء في كل حال ، فقال في موعظته التي ذرفت لها العيون و وجلت منها القلوب: ( عليكم بتقوى اللّه ، و السمع و الطاعة ، و إن عبدًا حبشيًا ) ، رواه ابن ماجة و غيره بإسنادٍ صحيح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه .
و روى الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أنه قال: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ ، فكان فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فِي مَنْشَطِنَا وَ مَكْرَهِنَا ، وَ عُسْرِنَا وَ يُسْرِنَا وَ أَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَ أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ ، إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا ، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) .
فقيَّد صلى الله عليه و سلَّم منازعة الأمر - الحُكمَ - أهله ، بظهور الكفر البواح من المنازَع .
و ههنا مسائل يحسن التنبيه إليها بين يدي هذا الحديث الشريف:
أُولاها: التفريق بين إنكار المنكر و بين الخروج على الحاكم ، إذ ليس كل من أنكر منكرًا على حاكم ذي سلطة ( شرعية أو غير شرعية ) خارجًا عليه بمجرد الإنكار فضلًا عن أن يكون خارجي المنهج و الفكر و المذهب ، كما يصوره البعض ، لأن الأمَّة مازالت تنكر على حكامها و ولاة أمورها سرًّا و جهرًا ، بحسب الإمكان ، و ما يقتضيه الحال ، و لم نقف في تاريخنا المديد على من اتُّهم بالخروج ، أو نسب إلى الخروج أصلًا ، فضلًا عن أن ينسب إلى الخوارج ( كطائفة ) لمجرد إنكار المنكر - علانيةً - على الحاكم ، و دعوته إلى العدل و الإنصاف و ردِّ المظالم و إحقاق الحق .
و يشهد لهذا تبويب الإمام مسلم في صحيحه بما يؤكد على التفريق بين الإنكار الواجب و الخروج المحرم بقوله: بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ، وَ تَرْكِ قِتَالِهِمْ .اهـ .
و ما رواه ابن ماجة في سننه بإسنادٍ صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) ، و في رواية: ( كلمة حقًّ ) .
و ما صح في سننه أيضًا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، أنه قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم رجلٌ عند الجمرة الأولى ، فقال: يا رسول الله أيُّ الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه . فلما رمى الجمرة الثانية سأله ، فسكت عنه . فلما رمى جمرة العقبة وضَعَ رِجْلَه في الغَرْز ليَركب ، قال: ( أين السائل ؟ ) قال: أنا يا رسول الله . قال: ( كلمة حق عند ذي سلطان جائر ) .
قلتُ: لو كان إنكار المنكر على السلطان الجائر منكَرًا ، لما كان القيام به أفضل الجهاد في سبيل الله ! و لما جعل من قُتِل دون ذلك في مقام سيِّد الشهداء ، كما صح بذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلَّم إذ قال: ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، و رجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله ) رواه الحاكم في مستدركه عن جابر بإسناد صحَّحه ، و أقرَّه الذهبي .