فهرس الكتاب

الصفحة 12285 من 27345

و ثانيها: أن تقييد الإنكار بالإشهار أو الإسرار أمر تحكمه مقاصد الشريعة ، و يجب ضبطه بضوابطها ، و ينظر إليه من خلال المصالح المترتبة على القيام به ، و المفاسد المترتبة على تركه ، و هذا يختلف بحسب الأمور المنكرة ، و حال المنكِر ، و المنكَر عليه ، و أسلوب الإنكار ، لذلك رأينا أئمة السلف ينكرون المنكر على الحاكم علانية تارةً ، و خفيةً تاراتٍ أُخَر ، فيما بينهم و بين الحاكم ، دون أن يتحجَّر أحدهم واسعًا ، أو يحمل الناس على رأيه مكرَهين .

و قد اشتهر من الإسرار في الإنكار موقف أسامة بن زيد من عثمان بن عفان رضي الله عنهم و عن سائر الصحابة الكرام ، حيث كان يتخوله بالموعظة و النصيحة سرًا .

فعَنْ شَقِيقٍ بن سلمة ، عَنْ أُسَامَةَ بن زيد ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلا تَدْخُلُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَتُكَلِّمَهُ ، يَعْنُونَ عُثْمَانَ ، فَيَقُولُ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ ، وَ اللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ ، وَ لا أَقُولُ لأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: ( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَى ، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: مَا لَكَ ؟ أَلَمْ تَكُ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَ تَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ فَيَقُولُ: بَلَى ، كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ ، وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ آتِيهِ ) ، رواه أحمد و أصله في صحيح البخاري .

قال القاضي عياض رحمه الله [ كما في فتح الباري: 13 / 57 ] : ( مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك ، بل يتلطف به ، و ينصحه سرًا فذلك أجدر بالقبول ) .

و هذا منهج مبرئٌ لذمة من يقدر على الوصول إلى الأمير أو الوقوف بين يديه ليأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر ، و لكن ليت شعري كيف تبرأ ذمة من لا يملك حيلة و لا يستطيع سبيلًا إلى الإنكار إلا من وراء جُدُرٍ ، إن لم يبذل وُسعَه في قول الحق و العمل به و لو عن بُعدٍ ؟

و معاذ الله أن نبرر الإنكار علانية أو ندعو إليه مع إمكانية تحقيق الغاية المرجوة من الإنكار بين العالم و الحاكم .

أخرج الإمام أحمد في مسنده عن سعيد بن جهمان قال: ( أتيت عبد الله بن أبي أوفى ، و هو محجوب بالبصرة ، فسلمت عليه . قال لي: من أنت ؟ فقلت: أنا سعيد بن جهمان . قال: فما فعل والدك ؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة . قال: لعن الله الأزارقة لعن الله الأزارقة ، حدثنا رسول الله أنهم كلاب النار . قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها ؟ قال: بل الخوارج كلها . قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس و يفعل بهم . قال فتناول يدي ، فغمزها بيده غمزةً شديدة ، ثم قال: ويحك يا ابن جهمان ، عليك بالسواد الأعظم ، عليك بالسواد الأعظم ، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته ، فأخبره بما تعلم ، فإن قبل منك ، و إلا فدعه ؛ فإنك لست بأعلم منه ) .

و هذا مقيد بقول عبد الله بن أبي أوفى صراحةً: إن كان السلطان يسمع منك .

قلتُ: أما إن تترس الأمير بحاشية السوء ، و لم يمكن إيصال الحق إليه ، فلا أقل من تبصير العامة بضررٍ لا يدفع بأقل من العلم به .

و ثالثها: أنَّ حمل معنى الكفر البواح على الخروج من الملة بالكفر الأكبر دون غيره من كبائر المعاصي و فواحش الذنوب ، أمر يسوغ فيه الخلاف ، بل قد وقع الخلاف فيه يقينًا ، بذهاب بعض العلماء إلى تأويل الكفر البواح بالمعاصي ، كما فعل الإمام النووي رحمه الله إذ قال في شرحه لصحيح مسلم [ 12 / 229 ] :

قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ( إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) هكذا هو لمعظم الرُّواة . و في معظم النُّسخ: بواحًا بالواو . و في بعضها: براحًا ، و الباء مفتوحة فيهما . و معناهما: كفرًا ظاهرًا ، و المراد بالكفر هنا: المعاصي . و معنى ( عندكم من اللهِ فيه برهان ) أي: تعلمونه من دين اللهِ .

و معنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، و لا تعترضوا عليهم ؛ إلاَّ أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم ، و قولوا بالحقِّ حيث ما كنتم ، و أمَّا الخروج عليهم و قتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، و إن كانوا فسقة ظالمين ، و قد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته ، و أجمع أهل السُّنَّة أنَّه لا ينعزل السُّلطان بالفسق ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت