فهرس الكتاب

الصفحة 12286 من 27345

فتأمل وفقك الله لهداه كيف ذهب الإمام النووي رحمه الله إلى تأويل الكفر البواح بالمعاصي ، و لم يحمله على الكفر المخرج من الملة ، فضلًا عن أن يقصره عليه ، و لم يرَ بأسًا في منازعة ولاة الأمر و الاعتراض عليهم حال وقوعهم في المعاصي و المنكرات المحققة المعروفة بما يُعلَم من قواعد الإسلام ، شريطة أن لا يكون ذلك بالسيف ما لم يُتيقَّن خروج الحاكم من الملة بالكُليَّة .

و مع ذلك فقد نقل [ في شرح صحيح مسلم أيضًا 2 / 26 ] عن إمام الحرمين رحمه الله القول بمشروعية التواطؤ لخلع الإمام الفاسق بما هو أقل من الكفر و إن استلزم ذلك إشهار السلاح في وجهه و محاربته ، حيث قال: ( قال إمام الحرمين رحمه الله: و إذا جار والي الوقت و ظهر ظلمه و غشمه و لم ينزجر حين زُجِرَ عن سوء صنيعه بالقول ، فلأهل الحلِّ و العقد التَّواطؤ على خلعه ، و لو بشهر الأسلحة و نصب الحروب ، هذا كلام إمام الحرمين ، و هذا الَّذي ذكره من خلعه غريب ، و مع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه ) .

فاتق الله في يا من يعيب على إخوانه القيام بما هو أدنى مما ذهب إليه إمام الحرمين و أقره عليه النووي بشرطه المذكور ، و ارأف بإخوانك الذين ينكرون منكرًا قعدت عن إنكاره ، و لولا ما حملوه عنك من القيام بالواجب الكفائي لكنت من الآثمين ، فادع لهم ، و احفظ ظهورهم ، و لا تكن عونًا للظالمين عليهم .

و حذار من أن تتوهم في كلامنا هذا تحريضًا على ارتكاب أعلى المفسدتين مع إمكانية تحاشيهما أو الاكتفاء بارتكاب أدناهما ، لأن الدعوة إلى إنكار المنكر على الحاكم المسلم علانية خلافُ الأصل الذي ندعو إليه ، و نحتسب الأجر عليه .

إذ إن الإنكار على الحاكم المسلم سرًا هو الأصل ما دام ذلك كافيًا و كفيلًا لإحقاق الحق و دفع المنكر بأقل منه .

أما إن تعذر ذلك و خُشيَ من تفشي المنكر ، و شيوع الفاحشة في الذين آمنوا فيعدل عن هذا الأصل إلى ما لا يتم الواجب إلا به ، و من ذلك الإنكار علانية علَّ ذلك يبلغ من كان له قلبٌ أو ألقى السمع و هو شهيد ، فيبذل وسعه ، و يبرئ ذمَّته في التصدي للمنكر و أهله قبل فوات الأوان ، و يكون ذلك في حالات منها:

الحالة الأولى: إذا شهد العالم وقوع المنكر أو وافق حضور الوالي المتلبس به ، فيجب الإنكار في الحال ، و لا يسعه تأخيره عن وقت الحاجة لبيانه .

و مثال ذلك ما عرف من إنكار أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، و غيره على مروان بن الحكم تقديم خطبتي العيد على الصلاة ، خلافًا للسنَّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم .

فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده عن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ؟ فَقَالَ مروان: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ) الحديث .

الحالة الثانية: إذا غلب على الظن تعالي الحاكم على الحق و أهله ، و تطاوله على من يأمره و ينهاه بسيفه و بطشه ، فعندئذ يجد الداعية مندوحة من المواجهة مع من لا يتورع عن إراقة دماء مخالفيه و معارضيه ( بالحق ) ، فيعدل إلى إنكار المنكر بما تيسر من وسائل أُخَر ، و أقلها تحذير العباد من المنكر الذي يقره الحاكم و لا ينكره .

روى ابن ماجة في سننه بإسناد حسن عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ) قالوا: و كيف يذل نفسه ؟ قال: ( يتعرض من البلاء لما لا يطيقه ) .

و روى ابن سعدٍ في طبقاته عن عمارة بن مهران ، قال: قيل للحسن: أَلا تَدْخُلُ عَلَى الأمَرَاءِ ، فَتَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَ تَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ: ( لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، إِنَّ سُيُوفَهُمْ لَتَسْبِقُ أَلْسِنَتَنَا ، إِذَا تَكَلَّمْنَا قَالُوا بِسُيُوفِهِمْ هَكَذَا ، وَ وَصَفَ لَنَا بِيَدِهِ ضَرْبًا ) .

و لا يستفاد من هذا أن الحسن ، ترك الأمراء و شأنهم فلم يأمرهم و لم ينهَهم ، و حاشاه من ذلك و هو الغيور على دين الله ، الذي لا يخاف فيه لومة لائم ، و لكنه لم ينكر منكرهم في مجالسهم دفعًا لمفسدة أكبر ، و لم يعدِم وسيلةً أخرى لإحقاق الحق و الأمر به ، و إبطال المنكر و النهي عنه ، كما يبدو ، و الله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت