قال الله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأَمْرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 380] ، وقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنِتَ لهم ولو كنتَ فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفرْ لهم وشاورْهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكّلْ على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] .
لقد ساءني كثيرًا ما رأيت من الآثار السلبية التي تركتها ممارسة الديمقراطية في المجتمعات التي تتعاطها، وأيقنت بمدى الإثم الكبير الواقع على المسلمين الذين يرضَوْن بهذا الواقع الأليم وعدم السعي للتغيير من خلال التوعية والنصح والإرشاد، فالمراقب لأحوال المجتمعات التي تمارس الديمقراطية من أجل اختيار"ممثلين لهم"ـ كما يقولون ـ في مواقع"القرار"يَهوله كم كانت النتيجة سلبية للغاية. فالعائلة الواحدة تمزقت وتقاطعت والقرية قُسِّمت، والمدينة شُلّت... كل ذلك نتيجة الضغط الإعلامي الكثيف الذي يدعوهم لينحازوا إلى هذه الجهة أو تلك معلِّلًا هذه الدعوات بمحاسن مبتكرة مزعومة متغاضيًا عن كل المساوىء الظاهرة.
ولقد رأيتُ أن أكتب هذه الكلمات مبينًا عددًا من الآثار السلبية التي تفضح كذب الديمقراطية الزائفة، وأنّها الطريقة المثلى التي تحمل في طياتها السعادة للبشرية، ومُوضِّحًا للطريقة المثلى التي شرعها الله لنا في اختيار القادة والمسؤولين وفي أخذ القرارات والتوجُّهات، خاصة أن بعض المسلمين كلما تقدمت بهم التجارب في هذا المضمار أدركوا أن سراب نعيم الديمقراطية المزعوم يلوّحون به للناس ما دامت تصبّ في مصلحة"السادة الكبار"، أما إذا كان الأمر عكس ذلك فلا ديمقراطية مقبولة عندهم ولا نتائجها لها اعتبار ولو كانوا يتغنَّوْن بها صباحَ مساء. هذا عدا عن أنها تفرض في كثير من الأحيان على الإسلاميين المؤمنين بجدواها تحالفات مشبوهة تجعل القاعدة الإسلامية في حالة إرباك وتشويش فكري وعقائدي مع ضياع مبدأ الولاء والبراء بقصدٍ أو بغير قصد حيث تصبح المصلحة المزعومة هي التي تتحكم في المواقف والتوجُّهات.
* مفهوم الديمقراطية:
فالديمقراطية تقوم على أسس ومبادىء عديدة بالإضافة إلى عمليات التطبيق، التي في معظمها يحمل مخالفات واضحة للشريعة الإسلامية:
1 ـ في التسمية والمبادىء:
الديمقراطية Democracy كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين"Demos" (الشعب) ـ"Kratos" (سلطة) . فيكون معناها الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب.
وقد ظهرت فلسفة الديمقراطية كنزعة عدائية للكنيسة في أوروبا بعد الثورة الفرنسية وذلك بسبب اضطهاد الكنيسة للكثير من العلماء والمفكرين فجاءت الديمقراطية ناقمة على كل شيء اسمه"دين"ومن أهم مبادئها:
ـ الشعب مصدر السُلطات ومصدر التشريع.
ـ حرية الاعتقاد مكفولة أيًا كان هذا الاعتقاد.
ـ حرية التعبير والإفصاح مكفولة أيًا كان هذا التعبير ولو كان مخالفًا لكل المبادىء والآداب والعقائد.
ـ فصل الدين عن الدولة.
ـ حرية تشكيل الأحزاب والتجمعات أيًا كانت عقائدها ومبادئها.
ـ الحق عندها ما اجتمعت عليه الأكثرية وإن كان على ضلال.
ـ ليس لشيء عندها قَداسة بل كل شيء خاضع للتصويت.
وبالنظر إلى هذه الأمور مجتمعة نجد بأن الديمقراطية من منظار إسلامي تعني الإباحية بشكلها الكامل فكل شيء عندها مباح ما دامت تجتمع عليه أكثرية الأصوات، وهذا الحكم لا ينافيه أن بعض آلياتها لا يتعارض مع الإسلام بل لا مانع من الاستفادة منها.
2 ـ في التطبيق:
أ ـ مبدأ المساواة في التصويت: فالعالم والمفكر والعبقري والسياسي وغيرهم من أصحاب العلم والفكر يتساوون مع العاميّ والأميّ وحتى المعتوه من الناس: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ؟.
ب ـ مبدأ الترشيح للمنصب وأسلوب الدعاية الذي نراه: إذ غالبًا ما يقوم على أساس الوعود الكاذبة وإظهار المحاسن المبتكرة وإخفاء المساوىء الظاهرة وكثيرًا ما تلعب الماديات دورًا بارزًا في هذا المجال وفي التأثير على عقول الناس ومبادئهم.
ج ـ ضياع المبادىء: إذ في العملية التطبيقية للديمقراطية يضيع المبدأ عند ممارسيها لأن الهدف الوحيد يصبح عندهم هو تجميع الكمّ الأكبر من عدد الناخبين ولو كان ذلك بتحالفاتٍ مشبوهة أو طرق وأساليب خسيسة أو وعود كاذبة.
د ـ استبدادية الديمقراطية: إذ عند التطبيق تتحول الأكثرية إلى أقلية وذلك لأن الشعب يختار ممثليه وتصبح زمام الأمور في أيديهم من غير أن يحق للشعب إقالتهم أو مناقشتهم ومحاسبتهم فكل أمر يصدر عن هذه الأقلية يصبح تشريعًا واجبًا على جميع أفراد الشعب تطبيقه واتِّباعه ولو رفضه الشعب أو أكثره"فهل هناك استبدادية أكبر أو دكتاتورية أعظم من هذا"؟!!!