فهرس الكتاب

الصفحة 6953 من 27345

الخلافة هي الخلاص ...

تحت هذا العنوان العريض، يقام مهرجان حاشد، يجتمع فيه لفيف من الدعاة والمثقفين، وما أكثر المهرجانات في أمتنا، إذ تعلو فيه الشعارات البراقة العريضة ، فمن مهرجان الأمة، إلى مهرجان الأقصى، إلى مهرجان العودة، وغيرها من المهرجانات الجماهيرية، التي بات واضحًا أن الهدف منها هو استعراض الأرضية الشعبية التي تتمتع بها تلك الحركات المتنافسة، ومذ كنت صغيرًا وأنا أسمع بتلك المهرجانات، وأشارك في بعضها، ونهاية كل مهرجان نخرج متفائلين نحسب أن النصر قاب قوسين أو أدنى، فلا زلت أذكر ذلك اليوم الذي قال لي فيه بعض المسئولين: اعدد ستة أشهر ثم بعدها تقوم الخلافة.

وها قد مضت السنين بعد الأشهر،ذهب عنفوان الصبا، ثم تلاه ربيع الشباب، ثم ها قد انحنى الظهر وشاب الرأس، ولا زالت الأمة على حالها، بل على العكس اتسعت رقعة الخلاف، وقام بدل الحزب أحزاب، وتولد عن الحزب الواحد أفراخ وأفراخ، ثم تقوم تلك المهرجانات مظهرة للأمة أن النصر آت آت، ونحن نعلم يقينًا أن النصر آت بإذن الله تعالى، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هي مقومات النصر؟ وهل فعلًا تحققت الأمة على تلك المقومات، أم أنها أحلام اليقظة البائسين، الذين لم يعودوا يملكوا سوى تلك الحناجر القوية التي ترعد بلا غيث،وتغرف بما لا تعرف، وغاية ما يتسلحون به العزف على جراح الأمة الملتهبة التي باتت السلعة الأنفق، والسهم الأعلى، ويقينًا تؤثر تلك الحناجر في قلوب العامة تهيج فيهم نبضات الأمل، وتنزع منها الشعور باليأس والإحباط ، لكن سرعان ما تصطدم بالواقع فترجع القهقرى.

وقد آن لأولئك المهرجين أن يفهموا أن النصر يحتاج إلى مقومات لا يتحقق من دونها، وأستطيع حصرها بنقطتين اثنتين، القوة المادية، القوة المعنوية، ولا شك بأن القوة المادية تستند بشكل أساسي على القوة المعنوية، والقوة المعنوية هي التسلح بسلاح الإيمان الحق الذي لا يجاريه سلاح، وحتمًا لن يكون هذا السلاح بعلو الأصوات وبهرجة الألفاظ، إنما بما وقر في القلوب من حب الله سبحانه وتعالى، وحب دينه، وتقديم ما كان لله على ما كان للنفس مهما كانت النتائج، فعلينا أن نلتزم دين الله سبحان ظاهرًا وباطنًا،بغض النظر أكانت الأيام لنا،أم كانت علينا، ولا ننس قصة أصحاب الأخدود الذين قتلوا وحرقوا لا لشيء سوى أنهم يقولون ربنا الله، ومع ذلك تنتهي قصتهم دون تحقيق نصر دنيوي ظاهر، بل نجد في الآيات ما تعجب له العقول وتحتار، أناس يقتلون المؤمنين بأفجع سبل القتل، ثم تفتح لهم أبواب التوبة، إذ قال سبحانه ( ثم لم يتوبوا) فهذا اللفظ يحتمل أحد معنيين، الأول: أن الله سبحانه سيعذبهم في النار لما فعلوه وأصروا على عدم التوبة منه حتى الهلاك، الثاني: أن الله سبحانه فتح لهم أبواب التوبة ليتوبوا، وعلى كلا الاحتمالين النتيجة واحدة، هي توبة الله سبحانه على عباده مهما أتوا من ذنوب ومعاصي إن هم تحققوا على التوبة النصوح، وما نفهمه من هذا النص وغيره، أن الخلاف الحقيقي بيننا وبين أعدائنا هو خلاف عقدي، وهذا ما يجب أن نربي عليه أتباعنا، وهذا لن يكون إلا من خلال التربية الإيمانية الحقة، التي تجعل من المسلمين رجالًا كأولئك الرجال، الذين امتدحهم الله سبحانه في كتابة، وأشاد بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجال لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، عندها يصبح النصر من الأمة قاب قوسين أو أدنى، أما تجميع العامة على خطابات وشعارات، بعيدًا عن بنائها بناءًا إيمانيًا لن يؤدي إلى شيء، بل سيزيد الرقعة خرقاُ، والحبل عقدًا، ثم أي خلاص هذا الذي سيكون للأمة بقيام الخلافة، أهو خلاص اقتصادي، أم خلاص اجتماعي، أم خلاص فكري، فليرجع أولئك القوم إلى تاريخ الأمة بعد القرون الفاضلة ليعلموا أن كثيرًا من خلافات الأمة التي أدت إلى ضعفها وتفككها هو بسبب تناحر القادة على الخلافة.

إن الخلافة ما كان لها أن تسقط يومًا مع بقاء الأمة على إيمانها الحق، أجل إن ما وصلت إليه الأمة من هوان وخور، سببه كثرة المعاصي والذنوب، وقد سطر المولى سبحانه جل في علاه لنا في كتابه الكريم العبر والحكم من خلال أحداث غزوة أحد ، التي جاء ذكرها في سورة آل عمران، فهل اعتبرت الأمة بذلك، وعملت جاهدة للتخلص من أسباب الذل والهوان، أم إن أسباب ضعف الأمة وسقوط الخلافة لا زال يتنامى فيها.

إن الخلافة كانت صرحًا شامخًا لم يسقط في يوم أو يومين، إنما من خلال عوامل كثيرة أدت إلى تصدعه يومًا بعد يوم، حتى انهار دون أثر، وهذا أشبه ببناء أنهكه طول الزمن ثم سقط متأثرًا بشروخه التي أصيب بها نتيجة العوامل الداخلية والخارجية، ثم أصبح أطلالًا، ولن يعاد هذا البناء قويًا إلا بإزالة أطلاله، ثم تعميق أسسه ليثبت البناء عليه ويتمكن.

وهكذا الخلافة لن تعود وقد ذهبت وعوامل هدمها لا زالت تزداد قوة على قوة، والأمة لا زالت في سبات عميق إلا من رحم ربي سبحانه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت