الجواب على سؤال السائل عن حديث النزول الالهي
بقلم حامد بن عبد الله العلي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد ورد سؤال من مسلم بريطاني ، يستشكل فيه التوفيق بين الإيمان بحديث النزول الإلهي كل آخر ليلة حتى يطلع الفجر ، كما قال صلى الله عليه وسلم ك ( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ، حين يبقى ثلث الليل الآخر ، فيقول: من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ) متفق عليه ، وكون الزمن لا يخلو من ثلث أخير من الليل في كل لحظة في العالم ، ويحسن أن نجيب على هذا السؤال بجواب عام ، يحصل به إيضاح المنهج الصحيح في تلقي وفهم نصوص صفات الله تعالى في الكتاب والسنة ، فنقول وبالله تعالى التوفيق ، يجب أن نقدم خمس حقائق مهمة في هذا الباب العظيم:
الحقيقة الأولى: أن الله تعالى أمرنا أن نؤمن بما أنزله في كتابه في القرآن ، وبما أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في السنة ، حتى لو لم تدركه عقولنا القاصرة ، قال تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) و قال تعالى ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) ، وهذا هو سبب تسمية اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانا ، لان كلمة الإيمان تشتمل على بعد غيبي يصدق به المصدق ، وهو لا يشاهده بعينه ، فلم يطلق عليه ( تصديق) في الكتاب والسنة لهذا السبب ، لان المطلوب أن يسلم المؤمن بما جاء به الرسول حتى لو كان غيبا مغيبا .
الحقيقة الثانية: أنه يجب الإيمان بصفات الله تعالى الواردة في القرآن والسنة بلا تحريف لمعانيها ، أو تعطيل لما تدل عليه من أنها صفات الله تعالى الكاملة ، ولا إدعاء المعرفة بكيفياتها ، ولا تمثيل بينها وبين صفات المخلوق ، وعلى هذا الأصل العظيم مضى الصحابة الكرام ، ومن تبعهم من أهل الإسلام ، الذين ساروا على طريق الصحابة وهم أهل السنة والجماعة .
الحقيقة الثالثة: أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال المطلق ، لا يتطرق إليه نقص بأي وجه من الوجوه ، واعتقاد النقص في صفاته كما فعلت اليهود والنصارى بعد تحريفهم لما جاءت به أنبياؤهم عليهم السلام ، هو شرك وكفر به سبحانه .
الحقيقة الرابعة: أننا مع إيماننا بكل صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة ، وان اتصاف الله تعالى بها هو على الحقيقة ، غير أننا نجهل كيفيتها ، لان عقولنا القاصرة عاجزة عن ذلك ، ولهذا قال تعالى ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ) أي أن علمه سبحانه محيط بالإنسان وبكل خلقه ، غير أن الإنسان لا يمكنه أن يحيط علما بالله تعالى .
ومن الأمثلة التي توضح هذه الحقيقة أننا نؤمن بالأحلام والرؤى التي نراها في منامنا ، غير أننا عاجزون تماما عن معرفة كيفيتها ، ونؤمن بوجود الروح في أجسادنا مع أننا عاجزون تماما عن معرفة كيفيتها ، ونؤمن بوجود الجن كذلك ، وأنهم يأكلون ويشربون ويتناكحون ويؤمنون ويكفرون ، كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن ، ونعجز عن معرفة كيفية أداءهم لعملياتهم العضوية عجزا تاما ، فإذن يمكن أن ينفصل الإيمان بوجود الشيء وأنه حقيقة قائمة ، عن الإحاطة بكيفيته .
ولله المثل الأعلى ، فالله تعالى نؤمن بذاته ولكننا نجهل كيفيتها ، ونؤمن باتصاف الذات الإلهية بصفاتها العليا ، مثل السمع والبصر والعلم ، ولكننا نجهل تماما كيفية اتصاف الذات الإلهية بتلك الصفات ، مع أننا نجزم أن ذلك الاتصاف ، يختلف تماما عن اتصاف ذواتنا بصفاتها ، مع أن الأسماء متحدة متشابهة ، فنحن أيضا لدينا ذوات تسمع وتبصر وتعلم ، لكن الحقائق مختلفة تماما ، فالله تعالى لا يماثل خلقه ، ولايمكن معرفة كيفية صفاته سبحانه .
ونحن نرى أن المخلوقات أحيانا تتشابه في إطلاق الأسماء والصفات عليها، وتختلف الكيفيات اختلافا كليا ، فمثلا نطلق صفة اليد على يد البعوضة ، ويد الفيل ، ويد الباب ، ويد الإنسان ، بينما الكيفيات تختلف اختلافا عظيما ، مع أن الاسم الذي فهم منه الصفة ، اسم واحد ، فإذا كان هذا الاختلاف بين المخلوقات ، فكيف بالاختلاف بين الخالق والمخلوق ، ولهذا فنحن نؤمن باتصاف الله تعالى بصفة اليد كما ورد في القرآن والسنة ، ولكن نجهل كيفيتها ، ولا نمثلها بأيدينا ، تعالى الله عن ذلك .
الحقيقة الخامسة: أن الوحي الإلهي لا يتضمن ما يحكم العقل باستحالته ، ونعني بذلك العقل السليم الذي يفهم الاستدلال الصحيح ، والبراهين السليمة ، وينقاد للحق ، وليس عقل المستكبر ، فإنه عقل فاسد أعماه العناد .