يتناول الدرس أهمية الحديث عن الدعاة وعن العلماء، في ظروفنا المعاصرة خاصة حينما انتشر مفهوم خاطيء عند الناس في هذا العصر، وهو: مفهوم التفريق بين العالم والداعي، وبين العلم والدعوة، وبين الفقه في الدين والفقه في الدعوة، وما نتج عن هذا المفهوم من ظواهر خطيرة في الدين، وفي السلوك، وفي الأفكار، وفي المفاهيم .
الحديث عن الدعاة وعن العلماء، أصبح في ظروفنا المعاصرة أمرًا ضروريًا، خاصة حينما انتشر مفهوم خاطيء عند الناس في هذا العصر، وهو: مفهوم التفريق بين العالم والداعي، وبين العلم والدعوة، وبين الفقه في الدين والفقه في الدعوة، وما نتج عن هذا المفهوم من ظواهر خطيرة في الدين، وفي السلوك، وفي الأفكار، وفي المفاهيم. ومنشأ الموضوع في ذهني: أني رأيت كثيرًا من الدعاة، والحركات الإسلامية المعاصرة التي تتصدر الدعوة في العالم الإسلامي، قد نشأ عندها هذا الفصام، وهذا الانفصال المبتدع بين الداعي إلى الله، وبين العالم، أو بين الممارس للدعوة إلى الله - أو المحترف للدعوة- وبين العالم والشيخ، أو بين العلماء وطلاب العلم، وبين الدعاة وأتباع الحركات الدعوية.
ونظرًا لما لهذا الانفصام والخلل من عواقب وخيمة قد تؤدي إلى الافتراق المذموم؛ فلابد من الحديث عن هذا الأمر على وجه النصح لا على وجه النقد، وسأتحدث في هذا الموضوع عن بعض المسائل؛ لأن الموضوع متشعب وطويل، وهو ذو شجون.
المسألة الأولى: في التعريفات المتعلقة بالعنوان: [العلماء هم الدعاة] .
مفهوم العلماء: فالعلماء المقصود بهم:العالمون بشرع الله، والمتفقهون في الدين، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلف الأمة.. الداعون إلى الله على هدى وبصيرة - وهي الحكمة التي وهبهم الله إياها-: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا [269] 'سورة البقرة' والحكمة: العلم والفقه.
فعلى هذا فالعلماء بهذا التعريف: هم الدعاة بداهة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم الدعاة، فأجدر من يتصدر الدعوة بعد الأنبياء ـ وقد انقضت النبوة وانتهت ـ: هم الدعاة؛ لأنهم ورثتهم. والأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، إنما ورثوا هذا العلم. والدعوة إنما تكون بالعلم؛ فأهل العلم هم الدعاة.
والعلماء: هم حجة الله في أرضه على الخلق، والحجة لا تقوم إلا على لسان داعية بفقهه وبعلمه وبقدوته. فعلى هذا؛ فالعلماء هم أجدر الناس بالدعوة.
والعلماء: هم أهل الحل والعقد في الأمة، وهم أولو الأمر الذين تجب طاعتهم كما قال غير واحد من السلف في تفسير قوله تعالى: أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاْمْرِ مِنْكُمْ [59] 'سورة النساء' . قال مجاهد: هم أولوا الفقه والعلم، وإذا كانوا هم أولي الأمر؛ فولايتهم للدعوة من باب أولى.
والعلماء: هم المؤتمنون على مصالح الأمة العظمى ـ على دينها، ودنياها، وأمنها ـ ومن باب أولى أن يكونوا هم المؤتمنون على الدعوة.
والعلماء: هم أهل الشورى الذين ترجع إليهم الأمة في جميع شئونها ومصالحها، وإذا كانوا يستشارون في جميع مصالح الأمة ـ في دينها ودنياها ـ فمن باب أولى أن يكونوا هم أهل الشورى في الدعوة.
والعلماء: هم أئمة الدين، والإمامة في الدين فضل عظيم، وشرف ومنزلة رفيعة، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِئَايَاتِنَا يُوقِنُونَ [24] 'سورة السجدة' .
والإمامة في الدين تقتضي بالضرورة الإمامة في الدعوة، وما الدين إلا بالدعوة، وما الدعوة إلا بالدين.
والعلماء: هم أهل الذكر، والذكر بالعلم والدعوة، كما قال تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [43] 'سورة النحل'. فعلى هذا هم أهل الدعوة إلى الله تعالى.
والعلماء: أفضل الناس كما قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [11] 'سورة المجادلة' وأفضل الناس هو الداعي إلى الله.
والعلماء: هم أزكى الناس، وأخشاهم لله، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [28] 'سورة فاطر'. وإذا كانوا هم كذلك، فهم الأجدر أن يكونوا هم الدعاة على هذه الصفات، وهم الأجدر أن يكونوا هم القواد والرواد في الدعوة.
والعلماء: هم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. إذًا فالعلماء هم الدعاة.
والعلماء: هم الذين أشهدهم الله على توحيده، وقرن شهادتهم بشهادته ـ سبحانه ـ وبشهادة ملائكته، وفي هذا تزكيتهم وتعديلهم، فقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ [18] 'سورة فاطر'. ومن كانوا كذلك فهم المؤتمنون على الدعوة، وهم الأولى بقيادتها وريادتها.