د. حاكم المطيري* 26/2/1424
ها قد ذهبت السَّكرة، وجاءت الفكرة ؛ ليكتشف الشعب الكويتي أنه كان ضحية تضليل إعلامي، وغسيل دماغ إسلامي، وأن شعار ( تحرير العراق ) لم يكن سوى كذبة كبرى، دفعته إلى تصديقها وتسويقها ثورة الغضب على النظام البعثي، وشهوة الانتقام من الشعب العراقي، فها هو العراق يفقد استقلاله، ويخسر سيادته؛ ليصبح تحت حكم جنرال أمريكي، ليعود الاستعمار من جديد، ولتتبخر أحلام المعارضة العراقية بإقامة حكومة وطنية انتقالية -كما يقضي الاتفاق بينها وبين الإدارة الأمريكية- بعد أن رفضت المعارضة شروط أمريكا التي تريد جعل العراق تحت نفوذها وسيطرتها، ليثبت للمعارضة -بعد فوات الأوان- أنها لم تكن سوى ورقة ضغط سياسي تم حرقها بعد أن أدت دورها، ولتكتشف أن أمريكا لم تأت بجيوشها من أجل تحرير العراق؛ لأنه أصلا لم يكن تحت الاحتلال، ولأن العالم كله لم يسمع من قبل بمصطلح تحرير الشعب من حكومته قبل هذه الحرب، ولأنه لم يسبق لأمريكا أن حررت شعبا أوربيا من حكومته؛ بل ظلت شعوب أوربا الشرقية نصف قرن ترزح تحت حكم أنظمة شيوعية استبدادية، ولم تفكر أمريكا قط بإرسال جيوشها لتحرير تلك الشعوب الأوربية المسيحية، فكيف تفعل ذلك للشعب العراقي العربي المسلم ؟!
نعم لقد ساهمنا نحن -الخليجيين- في الحملة العسكرية على العراق، غير أنها لم تكن من أجل تحريره؛ بل من أجل احتلاله من قِبل الجيش الأمريكي وجيوش الحلفاء ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. فالدول التي تفتقد للحرية والاستقلال لا يمكن أن تصدرهما، وكيف يمكن لدول الخليج (التي باتت تحت سيطرة الوجود العسكري الأمريكي منذ 1991 ،والتي لم تستطع -باعتراف حكوماتها- منع أمريكا من استخدام أراضيها ) أن تساهم في تحرير غيرها من الدول، وهي نفسها لم تتحرر بعد ؟!
وكيف للدول (التي لم يؤخذ إذنها في هذه الحرب التي انطلقت من أراضيها، ولم تحترم أمريكا سيادتها) أن تساهم في إقامة نظام حكم مستقل، له كامل السيادة على أرض العراق؟
وكيف يمكن للدول الخليجية (التي لم تعرف الديمقراطية بعد، ولا حكم الشعب، ولا التداول السلمي للسلطة، ولا الأحزاب السياسية) أن تساهم في إقامة تعددية سياسية، وديموقراطية عراقية؟!
وكيف يمكن للشعوب الخليجية (التي سقطت تحت سيطرة الاستعمار البريطاني مدة ستين سنة وأكثر، منذ سنة 1900م إلى استقلالها -الصوري- في آخر القرن الماضي دون أي مقاومة تذكر؛ بل ولم تعرف أي حركة تحرر وطني ضد الوجود الاستعماري) أن تساهم في تحرير الشعب العراقي الذي قام بأول ثورة عربية ضد الاستعمار البريطاني سنة1920م ؟!
إن ما قامت به دول الخليج لم يكن سوى تصدير الفائض لديها من الوجود العسكري الأمريكي وقواعده التي لم تعد دول الخليج تستوعبها إلى الشعب العراقي، فليس من الأخوة العربية أن ننعم بكل هذه القواعد العسكرية التي تحيط بالخليج من الكويت إلى عمان دون إخواننا في العراق؟! وليس من المروءة أن نتمتع بكل مظاهر الحرية والاستقلال والسيادة بينما يحرم منها الشعب العراقي الشقيق ؟!
وليس من الأنصاف في شيء أن نتحمل وحدنا فاتورة هذا الاستعمار الجديد دون الشعب العراقي، الذي يجب أن يشارك في تحمل قسط من هذا الوجود العسكري، وأن يدفع فاتورته. فالنفط العراقي قادر على تحمل ذلك، فهو يعد أكبر احتياطي نفطي عالمي، وليس من الحكمة أن يظل بلا حماية أمريكية، فهذا من السفه والعبث بمقدرات الشعب العراقي وثرواته التي سيتمتع بها بعد أن يدفع فاتورة تكاليف الحرب، و قيمة كل رصاصة وقذيفة أطلقتها جيوش الحلفاء، حتى القذائف التي ذهب ضحيتها الأبرياء. وبعد أن ترهن الشركات الأمريكية النفط العراقي لمدة ثلاثين سنة ؟!
إن ما قمنا به اليوم هو تكرار لما قمنا به سنة 1916م عندما فتحنا الطريق للاستعمار البريطاني ليدخل العراق من جهة البصرة؛ ليصبح العراق تحت الاحتلال العسكري ؟
نعم لقد ساهمنا نحن -الخليجيين- جميعًا في هذه الحرب سرًا وعلانية، ولم نكتف بذلك، بل استطاع بعض أنصاف المثقفين ورجال الدين المترفين أن يقيموا الأدلة على مشروعية وقانونية وأخلاقية المساهمة في تصدير الاحتلال، ومساعدة المحتل بدعوى تحرير الشعب العراقي من حكومته التي لم تكن الحكومة الدكتاتورية الوحيدة في العالم العربي الذي يعج من الخليج الخادر إلى المحيط الخاثر بهذا النوع من الحكومات الاستبدادية الإجرامية، وهو ما يعني ضرورة أن يدعو هؤلاء الليبراليون (المثقفون) ، ورجال الدين (المترفون) أمريكا وبريطانيا بإكمال حملة تحرير العالم العربي من حكوماته غير الشرعية، وغير الديمقراطية، ولماذا تقف هذه الحملة عند حدود العراق فقط ؟!