د. علي بن عمر بادحدح 29/8/1425
مرّت الليالي وتوالت الأيام، وتعاقبت الأشهر وتصرّم العام، ودار الزمان دورته وها نحن في انتظار شهر الصيام، شهر الذكر والقرآن، شهر البرّ والإحسان، شهر الإرادة والصبر، شهر الإفادة والأجر، شهر الطاعة والتعبّد، شهر القيام والتهجد، شهر صحة الأبدان، شهر زيادة الإيمان .. ننتظر رمضان والنفوس إليه متشوقة، والقلوب إليه متلهفة، تمر بالذاكرة صور كثيرة، مساجد ممتلئة بالمصلين، وذاكرين ومرتلين، ومنفقين ومتصدقين، ونكاد نسمع ترتيل القرآن في المحاريب، وبكاء المبتهلين في الدعاء، فيزداد لذلك الشوق ويعظم العزم، وتتهيأ النفس .
"ويستقبل المسلمون في رمضان ثلاثين عيدًا من أعياد القلب والروح، تفيض أيامها بالسرور، وتشرق لياليها بالنور" (1) ،"وتقبل علينا أيام لها في القلوب مكان، ولها في النفوس منازل، أيام خلدها القرآن، وباركها الله سبحانه وتعالى، أيام يُزاد فيها العطاء، ويُرفع فيها الدعاء، وتُغفر فيها الذنوب، أيام تكثر فيها الصلاة، وتُفرض فيها الزكاة" (2) ، وكأنني في رمضان وهو ينادي الزمان ويخاطب الدهر قائلًا:"قف - يا دهر - بأبناء البشرية رويدًا، فقد أرهقْتهم بمفاتِنك، وخدعتهمببهارجك، واستعبدتهم بغرورك، وشغلتهم حتى عن علاج أنفسهم، وتغذية أرواحهم ، وسلخت من عامهم أحد عشر شهرًا كاملًا تشابهت أيامها ولياليها، وطفحت أحداثها بمآسيها، كفى كفى يا دهر ، فقد أجعتهم من كثرة ما أكلوا، وأظمأتهم من طغيان ما شربوا، وأرّقتهم من طول ما ناموا، وأضعفتهم أضعاف أضعاف ما استراحوا، قف - يا دهر - بأمر ممن خلقني وخلقك، فإن الناس أكرم على الله من أن يتركهم فريسة لخَتَلك وخداعك، وهو -سبحانه- أرحم بهم من أن يغرقهم بشهواتك وأحداثك" (3) ، وآن الأوان أن تسطع شمس الإيمان، وأن تحيا القلوب بالقرآن، وأن تصح الأرواح والأبدان، وأن تقوى الإرادة من بعد ضعف، وأن تعلو الهمة من بعد انتكاس، وأن يشتدّ العزم من بعد فتور.
أخي المسلم رمضان مختص بأمور كثيرة وعظيمة، تجعل له خصوصية عظيمة، فهو:
1-صومه فريضة من فرائض الإسلام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
2-شهر نزول القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان) .ِ
3-اختصاصه بمزايا في الصلة بدخول الجنان والنجاة من النيران:
(أ) قال صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجنة بابًا يُقال له الرّيان، يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أُغلق فلا يدخل فيها غيرهم ) .
(ب) قال صلى الله عليه وسلم: ( الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة، فشفّعني فيه، ويقول القيام: أي رب منعته النوم في الليل فشفعني فيه، فيُشفّعان فيه ) .
(ج) يقول صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أول ليلة من رمضان صُفّدت الشياطين ومردة الجن ، وغلّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلن يُغلق منها باب، وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة ) .
(د) يقول صلى الله عليه وسلم: ( إن للصائم عند فطره دعوة لا تُردّ ) .
(هـ) قال صلى الله عليه وسلم: ( من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا ) ويقول: ( الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ) .
وفي شهر رمضان عبادات كثيرة:
(أ) الصوم وهو فريضة الوقت .
(ب) الصلاة محافظة على الفرائض، واستكثارًا من النوافل الرواتب، ومواظبة على قيام الليل في التراويح والتهجد.
(ج) أداء الزكاة، وإخراج الصدقات، ومواساة القرابات، وتفطير الصائمين.
(د) أداء العمرة بثواب الحج،كما قال صلى الله عليه وسلم: ( عمرة في رمضان تعدل حجة معي ) .
(هـ) الإخلاص لله وتجريد العمل ابتغاء وجهه، ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم وأنا أجزي به ) .
(و) الدعاء بتحري وقت السحر وعند الفطر، وفي قنوت الصلوات .
(ز) تلاوة القرآن لاختصاص رمضان بنزول القرآن .
ولذا فإليك هذه الوصايا بين يدي انتظار القادم العزيز:
أولًا: أهمية التخطيط والإعداد
لكل موسم خُطة ومتطلبات وإعداد، فعندما بدأت الدراسة كان الجميع منشغلًا قبلها بالاستعداد لها، وكل استعداد وإعداد يتناسب مع طبيعته، وتخطيط رمضان للعبادة والاستفادة.
ثانيًا: أهمية العزم والمعاهدة
في طبيعة النفس فتور وضعف، ولها بمشاغل الحياة ارتباط وتعلّق، وفي الشهوات والملذات هواها ومبتغاها، والصوم فِطامها وحسن قيادِ زِمامها، فاجعل بداية ذلك عزمًا ومعاهدة تقطع طريق التسويف، وتُبطِل حجج التأجيل، وتمنع أسباب الضّعف .
ثالثًا: أهمية التجديد والابتكار