الكاتب: الشيخ د.عبدالله بن عبدالعزيز الزايدي
تقييم:
الواقعية السياسية والرؤية العقلية للأحداث دليل على كمال العقل وبعد النظر ، غير أنها في أحيان أخرى فتنة يفتن بها بعض الناس لتكون مجرد مطية تركب لتبرير الضعف وتسويغ العجز ، واحتقار الذات ،والإخلاد للذل ، والتعبير عن وهن النفس وخور العزيمة ، والجبن في مواضع اللقاء.
ففي الأحداث الأخيرة في العراق ذلك البلد الذي ابتلي أهله بالوحشية الأمريكية المصحوبة بتعصب ديني نصراني ظاهر تجلى في تعليق الصلبان على الدبابات التي قصفت مدينتي الفلوجة والقائم وتجلت في تعدد حالات تدنيس كتاب الله . ظهرت ثقافة الوهن بمظهر الواقعية السياسية ،الداعية لنبذ المقاومة والاستسلام للمحتل بحجة عدم القدرة ، وحقن الدماء، ونحو ذلك من الدعاوى التي تعتبر في عرف الأمم خيانة وطنية عظمى ، وسبقت هذه الدعاوى بفتوى دينية خرقت الاجماع تؤكد وجوب طاعة الكافر المحتل المتغلب ومن نصبه المحتل ، ونبذ الجهاد والمقاومة بحجة الحفاظ على الأنفس والأعراض الدنيوية من أموال وغيرها .
ومع شذوذ تلك الفتوى ومخالفتها لإجماع علماء الأمة المتقدمين وكافة المتأخرين إلاّ نزرا ممن خالف ، إلاّ أنها لقيت دعما إعلاميا مريبا يضخمها ، ويدعو المسلمين للعمل بها .
وخرجت بغاث الصحافة من جحورها لتستنسر على أهل العلم والفضل المتمسكين بثوابت الشرع وقواطع الأدلة وتسفه آراءهم الداعية لمقاومة المحتل ، والحاضة على مواجهته .
وكان من الحجج التي استند إليها هؤلاء هو أن ترك المقاومة سيؤدي إلى استقرار الأوضاع وحقن الدماء ، وهذا صحيح لكنه استقرار الأوضاع للعدو المحتل ، ليزداد عتوا وظلما ، وليتفرغ لبلد عربي أو إسلامي آخر وكأنهم لم يعرفوا مسيرة التاريخ ، وطبيعة الصراع بين الحق والباطل ، ولم يعرفوا فطرة الإنسان السوي الذي يأنف من الاستذلال لعدوه ويأبى الضيم ، ويكره الظلم .
وبدا جليا مصداق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث تداعي الأمم ،حيث بين السبب الأهم في هذا التداعي وهو ثقافة الوهن:التي هي حب الدنيا وكراهية الموت .
إن مصيبتنا اليوم لم تقف عند حد (حب الدنيا وكراهية الموت) ، بل وصلت بنا إلى حد (حب الترف وكراهية الشظف) ، وبذل كل شيء في سبيل هذا الحب ، ويبدو الطرح الانهزامي غير معقول البتة لأهل بلاد يعيشون الشظف والفقر والإذلال وقد دمرت مقومات بلادهم ، حين يطالبون بأن يتركوا مقاومة المحتل وهكذا فلم
تعد الضرورات الدنيوية -بل ولا الحاجيات- هي مناط الرخصة في ارتكاب بعض المحظورات ؛ ولكن نوافل التحسينيات اليوم تعد كافية عند فئام من الناس لتبرير الذنوب .. وربما الموبقات .
كم هو مؤلم أن يفقد دين الله هيبته في القلوب إلى الحد الذي يوضع فيه كلام الله في كفة وتوضع الفضائيات والوجبات السريعة والخميلة والخميصة في الكفة الأخرى ، والأدهى والأمرّ أن ترجح كفة العرض الدنيوي عند كثير من الناس ليس عوامهم بل بعض من ينسب للعمل بكلام الله ، ولكنها الفتن.
إن دعاة الوهن الحاضرون قذفوا طائفة من الأمة بالسفه والطيش لأنها تقاوم أعداءها . ، بينما يريد هؤلاء أن تستمرئ الأمة الذل والهوان وترضى بأن تحيا حياة البهائم تأكل وتشرب ، ولا تموت الموتة الشريفة ، بينما يموت جنود أعدائها في بلادها دفاعا عن مبادئهم ، وتحقيقا لأهدافهم الدينية المتمثلة في محاربة الشر الذي يمثله المسلمون قبل معركة هرمجدون التي يتشوق لها بوش والمتعصبون حوله .
إن أولئك المشيعين لثقافة الوهن في الشعوب العربية والإسلامية التي اغتصبت بلادها ، والذين دعا بعضهم أهل الأرض المحتلة إلى الهوان لم يدركوا أن الإقبال على الدنيا والهروب من الموت لم يكن لينجي أهل الأرض المحتلة من
الذل والهوان ، ولا من طغيان الاحتلال ?وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ
الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وقد أردنا غير ذات الشوكة سنين طويلة ، حتى طغى حب الدنيا ولذاتها على الرغبة في طاعة الله وحياة العز والشرف . ومع ذلك لم يشفع لنا هذا عند أعداءنا،فلا يزالون يقاتلوننا وإن تركنا قتالهم ،فاليهود بالرغم من استماتة حكامنا في الصلح معهم وبالرغم من أن مؤتمرات الصلح ومعاهداته من الكثرة بمكان إلاّ أن نقضها من قبل اليهود يبدأ أحيانا قبل أن يرجع كل وفد عربي إلى بلاده .
وهاهي أمريكا تغزو العراق وتقتل أهله بعد أن حاصرتهم أكثر من عشر سنين ،وتهدد دولا أخرى كسوريا وإيران والسعودية .