فهرس الكتاب

الصفحة 5538 من 27345

رئيسي:تربية:الأربعاء 26 محرم 1425هـ - 17 مارس 2004م

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد،،،

قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ [15] أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16] } [سورة هود] . وقال: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ... [18] } [سورة الإسراء] .

قال سعيد بن جبير:' يؤتون ثواب ما عملوا في الدنيا وليس لهم في الآخرة من شيء' . وقال قتادة:' من كانت الدنيا همه وسدمه، وطلبته ونيته وحاجته؛ جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة ليس له فيها حسنة، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة' .

وقال ابن جريج:' يعجل لهم فيها كل طيبة، فلم يظلمهم لأنهم لم يعلموا إلا الدنيا.

وههنا خطورة قضية ' النِّعَم ' فإنَّ المرء قد يعطيه الله، ويسبغ عليه من النعم ما يكون سبب هلاكه، فهي عوض عن أعماله الصالحة في الدنيا حتى يأتي الله ولا حسنة له، فأي مصيبة تعدل ذلك !!

ويرى الناس ذاك المترف، فيتمنون ما عنده ليتمتعوا بهذه النعم كما يتمتع ويتنعم هو بها، ولا يدرون حقيقتها، فإذا تبين لهم قالوا كما قال قوم قارون: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [82] } [سورة القصص] .

ومن هنا دعونا نتأمل هذه الظاهرة الخطيرة في مجتمعاتنا والتي أودت بكثير من شبابنا، ألا وهي:' الترف' وفق منظور إسلامي صحيح؛ لنبصر خطورة جعل ' الرخاء والرفاهية ' مقصدًا للشعوب كما يدندن من لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، وكيف ضاع كثير من شباب الأمة ورجالها تحت بريق هذا الهدف المنشود، ودعونا نفهم عن الله قضية ' الفقر والغنى '، ونتعلم كيف نعيش كما يريد الله لا كما نريد نحن، أو يُراد لنا، ونتعلم كيف نستثمر أموالنا، وكيف ننفقها .

ما المقصود بالترف وما حده؟

الترَفُ: هو التَّنَعُّمُ، و المُتْرَفٌ من كان مُنَعَّمَ البدنِ مُدَلَّلًا، وهو: الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ. وأَتْرَفَتْه النَّعْمةُ أَي أَطْغَتْه، وهو: المُتَنَعِّمُ المُتَوَسِّعُ في مَلاذِّ الدنيا وشَهواتِها. وهم الموصوفون بقوله سبحانه: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي [15] وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي [16] كَلَّا... [17] } [سورة الفجر] .

فالمترف من توسع في التنعم بشهوات الدنيا وملذاتها، ومن شأن ذلك أن يؤثر في شخصيته، فتراه مدللًا، يفارق الرجال في القوة والاحتمال، مخنث العزم، مائع الإرادة، نهم في طلب شهوات الدنيا، يعيش لنفسه، شعاره:'عش الحياة اليوم فتمتع بكل ما فيها، ووقت الله يدبرها الله' .

وهذا الوصف تراه يغلب على شباب الأمة اليوم، الذين ضاعوا أمام تيارات التغريب والغزو الثقافي، الذين نشأوا وسط عالم مادي بحت، فالدين مغيَّب، والدين أفيون الشعوب، والدين مجموعة من الشعائر يؤديها المرء ـ إن شاء ـ في بيت العبادة، فلا علاقة للدين بالحياة، والإنسان مخلوق حر، والحرية مكفولة لكل أحد، فلا غضاضة ولا حرج إنْ سارت النساء كاسيات عاريات، ولا شيء في أن يتشبه الرجال بالنساء، ولا مانع من الاختلاط، والزنا بالتراضي لا يدخل في حكم القاضي، ومقصود الإنسان في هذه الحياة هو ' الرخاء والرفاهية ' ومن أجلها توضع الخطط الحكومية، فهي ضمان السعادة، والمال هو السلاح الأقوى، وقيمة المرء بما في جيبه لا ما يتقنه .

ولعلك تسمع كل يوم هذه الشعارات، ويدندون حولها في جميع وسائل الإعلام، حتى صدقها الناس وصارت كالحقائق التي لا تقبل النقاش، وكل من يخرج عن هذا الإطار فهو متخلف، رجعي، أصولي، متطرف، إرهابي، يريد لنا أن نعيش بالطريقة التي لم نخترها، يريد لنا أن نعيش في الكهوف، ونعود للعصور الوسطى … إلخ هذه الطنطنات التي يرددها من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، من صارت الحياة همَّه وشغله، ونسي أنَّ الحياة دار ابتلاء لا دار إخلاد.

فهؤلاء هم الذين لم يفكروا فيما بعد الحياة، لم يؤمنوا بالآخرة فلم يعملوا لها، ولسان حالهم:...رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [200] } [سورة البقرة] . يريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة.

من مظاهر الترف في عصرنا الحالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت