د.محمد مورو 14/11/1424
هل كتب على زعمائنا وبالتالي أمتنا باعتبار أن تصرفات وقرارات الحكام لا تعود فقط على شخوصهم، بل على مجمل الأمة حاضرها ومستقبلها.. هل كتب عليهم وعلينا بالتالي الانبطاح بلا توقف ونزول السلم درجة درجة، حيث إن الذي ينزل درجة واحدة من السلم بالضرورة سينزل باقي الدرجات؛ لأنه يفقد قدرته ومناعته على الصمود ويصبح في حالة قابلية للنزول، ويتصور خطأً أنه بنزوله هذه الدرجات سيصل إلى قاع بئر الأمان وهو في الحقيقة يحفر قبره المادي والمعنوي أو يصل إلى قاع الهاوية!.
منطق الانبطاح أو المنبطحين يقوم على أساس قاعدة إرضاء الذئب والذئب لن يرضي لأنه ذئب، وبالتالي يطالب الذئب بالمزيد وبلا نهاية قريبة أو بعيدة.. ونحن أمام عدو أو أطراف دولية وإقليمية لن ترضى بغير الوليمة كاملة لأسباب تتصل بالتاريخ والجغرافيا والمصالح.. فهم يستهدفون استئصالنا كأمة وكحضارة وكوجود وكقيمة ثقافية ومصالح اقتصادية وسياسية.. إلخ. وهم- ونعني هنا أمريكا وإسرائيل- ونحن مثل نار جنهم تقول دائمًا: هل من مزيد؟ ولا تشبع أبدًا، والمنطق القرآني ذاته وهو حق ومقدس وواجب الاتباع يقول: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ، وقياسًا نقول: لن ترضى عنكم يا زعماء العرب والمسلمين أمريكا وإسرائيل.. عن كل شئ.. نعم كل شئ: الأرض، والعرض، والكرامة، والوجود، ثم تلقي بمن يرضى بذلك في أقرب مزبلة..
ألم تقرؤوا تجربة الأندلس؟ فالحكام الذين قبلوا بالانبطاح والتسليم بمطالب الصليبيين مقابل مجرد النجاة بممتلكاتهم الشخصية لم يحصلوا على هذا الأمان الشخصي ولا الاحتفاظ بالممتلكات؛ بل بمجرد جفاف حبر الاتفاق وربما قبل أن يجف هذا الحبر صودرت ممتلكاتهم، وطلب منهم أن يبدلوا دينهم، وهكذا خسروا الدنيا والآخرة؛ بل حتى الذين بدلوا دينهم لم يقبل منهم هذا وقتلوا بلا هوادة.
ومن لا يتعلم من التاريخ؛ فهو غافل ومن لم يتعلم من الحاضر أيضًا فهو أحمق. ليس التاريخ وحده هو من علمنا أن الانبطاح لن يؤدي إلى الأمان ورضا الأعداء وسكون الأحوال؛ بل العكس هو الصحيح على طول الخط.. نعم ليس التاريخ؛ بل الحاضر الماثل أمام أعيننا.
عبرة اعتقال صدام
مروِّجو سياسة وثقافة الانبطاح يقولون: انظروا ماذا حدث لصدام حسين.. هذا جزاء من يعارض أمريكا ويحتفظ بأسلحة دمار شامل. ونقول لهم: إن ما حدث لصدام حسين لا علاقة له بمعارضة أمريكا ولا بأسلحة الدمار الشامل؛ بل العكس هو الصحيح فصدام حسين دمر منذ التسعينات كل ما طلب منه من أسلحة وقبل بالتفتيش الدولي وانصاع لكل القرارات، ووافق على كل المطلوب، ولما أيقن الآخرون أنه لم يعد لديه أسلحة دمار شامل قاموا بغزو العراق واحتلاله، ومن ثم إنهاء حلم صدام حسين واعتقاله وإذلاله، ولو كان صدام حسين لم ينصع للقرارات والمطالب، واحتفظ بأسلحة الدمار الشامل التي دمرتها لجان التفتيش؛ ربما كان الموقف مختلفًا ولو حتى من باب الكرامة والمعنويات، وكوريا الشمالية أعلنت أنها تمتلك أسلحة دمار شامل، ولذلك فإن أمريكا تطلب الحوار معها وليس التفكير في غزوها.
المثال الآخر ياسر عرفات الذي اعترف بإسرائيل، وغيّر ميثاق المنظمة، وتخلى عمليًّا عن حق العودة للاجئين، ووقع اتفاق أوسلو، وفعل ما هو أكثر من ذلك، ومع ذلك انتهى الأمر به إلى أنه أصبح مرفوضًا من أمريكا وإسرائيل، ومعزولًا ومحاصرًا على المستوى الشخصي وعلى مستوى القضية؛ فإن إسرائيل تواصل بناء الجدار، وتعلن خططها العملية لتحويل الفلسطينيين إلى كائنات ممزقة بلا روابط!! بل إن كل المبادرات الأمريكية والإسرائيلية التي أعطت شيئًا من المكاسب جاءت عقب قيام المجاهدين داخل فلسطين وخارجها بنوع من الضغط، وأراد الأمريكيون أن يعطوا شيئًا كمخدر للجماهير حتى لا تلتف حول هؤلاء المجاهدين. فالحديث الأمريكي عن دولة فلسطينية تم لأول مرة عقب أحداث 11 سبتمبر كنوع من نزع التبرير من القاعدة وابن لادن على أساس أن الانتقام لما يحدث في فلسطين أمر مشروع وربما واجب.. وبالتالي؛ فإن على أمريكا أن تنزع هذا الأمر بادعائها (زورًا) أنها ستراعي الفلسطينيين، وكذا كان الأمر في خارطة الطريق لأسباب تتصل بمنع التضامن مع العراق ونزع جدرانه الشعبية، والأمثلة الحاضرة -فضلًا عن التاريخية- أكثر من أن تحصى.
تنازلات القذافي
هذا الكلام بمناسبة ما حدث من سلسلة الانبطاحات العربية الإسلامية أمام أمريكا وبالطبع لن نحصيها عددًا؛ بل ستضرب عليها بعض الأمثلة غير ملتزمين بالترتيب التاريخي.