فهرس الكتاب

الصفحة 6755 من 27345

الحلقة 1 من سورة المسد

الحلقة (29) الجمعة 4 شعبان 1396هـ-30 تموز 1976م

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون فاليوم موعدنا مع سورة المسد ثالثة السور التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفاقًا لترتيب نزول السور على أرجح الآراء؛ وكنا سلخنا ما مضى، ونحن نعيش مع المعاني الكبيرة التي قررتها وأفرزتها سورة الفاتحة، ولقد يحسن التنبه والتنبيه إلى ضرورة ملاحظة هذا الشمول في المعارك التي كان الإسلام يخوضها من أجل طرد الجاهلية من ساحة الدنيا، وإعادة الناس إلى حظيرة الله يستروحون نسائم العزة والكرامة، ويتحسسون معاني الآدمية الصحيحة المستقيمة. والشيء الذي يدهشك وأنت تتعرف على ساح المعركة أن الإسلام لا يغفل الداخل وهو يخوض معركته في الخارج ولا يسقط حساب الخارج وهو يخوض معركته في الداخل فكل أولئك الساحات يكمل بعضها بعضًا ويؤثر بعضها ببعض، وما فائدة الساحة الخارجية إن هي نقيت من الزلل وطهرت من الأدناس وأعيدت إلى القواعد السليمة. ثم وضعت بين أيدي أناس مازكت نفوسهم ولا صغت قلوبهم ولا استقامت أخلاقهم ولا استناروا بنور الإيمان. إنهم بهذه المثابة خليقون أن يفسدوا كل شيء.

وما فائدة إقامة الحياة الداخلية الذاتية للإنسان على قواعد التقوى وعلى أسس الإيمان، إذا كان كل ما هو خارج الذات يضغط ضغطه الهائل المخيف، فيترك آثاره على النفس تزلزلًا وانحرافًا وشكًا في الله تبارك وتعالى. وسر الإعجاز في هذا الدين والحمد لله أنه وهو يخوض معركته الفاصلة ضد الجاهليات عمومًا يخوضها بكل الطاقة الإنسانية لا يعطل منها شيئًا ويخوضها على كل الساحة البشرية لا يخلي ساحة من الساحة.

ولقد كانت الفاتحة معركة عظيمة ولكنها تخاض في داخل الذات؛ تقويمًا للتصور وتصحيحًا للاتجاه ووضعًا لحقيقة الألوهية في مكانها الصحيح، وإعادة لهذا الإنسان إلى قاعدته التي لا ينبغي له، وما لكونه له أن يتزحزح عنها، وهي قاعدة العبودية ونحن الآن، ونحن نواجه سورة المسد سوف نواجه لونًا آخر أو ساحة أخرى؛ ساحة خارجية كانت بمثابة رد الفعل على هذا الذي نادى به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولنبدأ من البداية:

فكما علمتم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نُبّئ بهذا الإسلام، وتنزَّلَ عليه أوائل الوحي وليس مهمًا الآن أن نحدد بداية الخطى؛ فقد سبق أن تكلمنا على جوانب منها، والمهم أن نقول إن الله تبارك وتعالى وبعد أن أنزلت عليه عدة سور ودخل من دخل في دين الله، أمره الله تعالى أن ينذر عشيرته الأقربين فقال جل من قائل:

(وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك للمؤمنين) .

فقام رسول الله عليه السلام بتنفيذ أمر الله جل وعلا.

عندنا بصورة رئيسية روايتان أساسيتان في هذا الصدد؛ رواية تقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن عمه وربيبه علي كرم الله وجهه في الجنة إن الله أمرني بأن أنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لنا طعامًا، وادعهم إليه يقول علي؛ فصنعت لهم طعامًا، ودعوتهم فجاؤوا، ولا حاجة بكم إلى ذكر التفاصيل فالمهم أن الرواية تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حينما همَّ بأن يفاتح قومه، عشيرته بالدعوة، وأن يدعوهم إلى الإيمان به، وإلى اتباعه هاب قومه؛ فأمسك عن الكلام قال: فجاءه جبريل عليه السلام فقال له:

يا محمد؛ إن الله يأمرك بأن تنذر عشيرتك الأقربين فإذا لم تفعل فإن الله سوف يعذبك.

قال علي: فأمرني في اليوم الثاني أن أصنع لهم طعامًا وأن أدعوهم قال فصنعت الطعام ودعوتهم فجاؤوا، فوقف بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغوا من طعامهم وأبلغهم ما طلب الله إليه أن يبلغهم إياه.

وفي الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: أيكم يوافقني على هذا الأمر فيكون خليفتي ووصيي فيكم؟ قال فلم ينهد له أحد، فقمت وأنا ابن عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال فأخذ برقبتي وقال: إن هذا خليفتي عليكم ووصيي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.

قال فخرج القوم يتضاحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

وفي الرواية أن أبا لهب قال له: ألهذا جمعتنا؟ تبت يداك، فأنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) إلى آخر السورة.

هذه رواية لي عليها تحفظ يمنعني من الأخذ بها؛ فكأني أشم عليها روائح تشيع، وروائح وضع مبكر واختلاق. على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما وأن الدعوة في ذلك الوقت ليست في المرحلة التي تسمح بتعيين الأوصياء وتعيين الخلفاء والبحث في هذه الأشياء - التي تبحث عادة في النهايات ولا يفكر بها أحد في البدايات - فمن أجل هذا أجدني في حل من رفض هذه الرواية؛ والتعويل على الرواية الأخرى لأنها الأولى على صيغة العرب في التعامل بمثل هذه المواقف تقول الرواية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت