مقارنة محمد أسد بين القرآن
والكتاب المقدس
د.إبراهيم عوض
على شاكلة كثير ممن ترجموا القرآن إلى اللغات الأوربية من مسلمين ومستشرقين يُكْثِر محمد أسد من المقارنة بين القرآن المجيد والكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى في الموضوعات المشتركة بينهما، وأحيانا ما يكتفى بهذه المقارنة لا يتعداها إلى إبداء رأيه فيما يختلف الكتابان فيه، لكنه عادة ما يزيد فينتصر للقرآن. ولقد تكرر عنده الحديث في مواضع مختلفة عما أصاب الكتاب المقدس من عبث وتحريف طبقا لما قاله القرآن، وكذلك الحديث عن حفظ الله عز شأنه كتابه إلى أبد الآباد من أن تناله يد الإفساد.
ومنذ الصفحات الأولى من الترجمة نراه يتهم اليهود بالعبث بالتوراه وكتمان ما ورد فيها من ذكر نبوة محمد عليه السلام، مؤكدا أن النقد النصوصى للكتاب المقدس قد أثبت صحة التهمة القرآنية لهم بذلك، ومستشهدا على ما يقول بما ورد في سفر"إرميا" (13/ 26) ، ونصه:"أفسدتم كلام الله الحى"، وبما جاء في مواضع أخرى من العهد القديم من نصوص مختلفة تذكر عنادهم وتمردهم كما في سفر"الخروج" (32/ 9، و33/ 3، و34/ 9) و"التثنية" (9/ 6- 8، 23- 24،27) مثلا
وانطلاقا من هذه النقطة نجده، في تعليقه على الآية 101 من سورة"البقرة"، ونَصُّها:"ولما جاءهم رسول من عند الله مصدِّقٌ لما معهم نَبَذَ فريقٌ من الذين أوتوا الكتابَ كتابَ الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون"، يقول إن"كتاب الله"المذكور هنا هو التوراة، وإن اليهود، بإهمالهم ما جاء في سفر"التثنية" (18/ 15، 18) من نبوءاتٍ تبشِّر بمجىء النبى العربى، قد نبذوا فعلا كل ما نزل من وحى على موسى طبقا لكلام الزمخشرى ومحمد عبده2.
أما بالنسبة للنصارى وموقفهم من النبوءة الواردة في الإنجيل عن محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يؤكد أن قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام:"... ومبشِّرًا برسولٍ يأتى من بعدى اسمه أحمد"3 يجد مصداقه في ذِكْر إنجيل يوحنا للفارقليط في عدة مواضع. ثم يوضح قائلا إن كلمة"Parakletos"المشار إليها هى بالتأكيد تحريف لكلمة"Periklytos"، ومعناها"المحمود كثيرا"، وهو ما يساوى كلمة"محمد/ أحمد"، التى هى الترجمة الدقيقة للكلمة الآرامية"Mawhamana"، إذ كانت الآرامية (كما يقول) هى اللغة السائدة في فلسطين على عهد عيسى عليه السلام وبعده بقرون، كما أن اسم"محمد"قد ورد بنصه العربى في إنجيل برنابا، الذى ترفضه الكنيسة الآن بعد أن كانت تقرّه حتى عام 496م عندما حرَّمه البابا جلاسيوس، وإن كان من غير المستطاع في الظروف الراهنة التأكد من صحته بسبب ضياع النص الأصلى، إذ الموجود في أيدينا حاليا إنما هو ترجمة إيطالية ترجع إلى أواخر القرن السادس عشر الميلادى4.
وعلى العكس من ذلك نراه، فيما يخص القرآن الكريم، يؤكد أن قوله تعالى:"إنا نحن نزَّلنا الذكر، وإنا له لحافظون"5 قد تبين صدقه بما لا يدع مجالا للشك، إذ ثبت أن النص القرآنى وصل إلينا عن النبى محمد خاليا من أى تعديل أو إضافة أو حذف، وأنه ما من كتاب آخر، أيًّا كانت صفته، قد بقى سليما طيلة هاتيك القرون جميعا. أما بالنسبة للقراءات المختلفة لبعض ألفاظ القرآن المجيد فهى لا تعدو أن تكون اختلاقا في ضبط بعض الحروف لا يمس المعنى عادة6. وقد كرر هذا الكلام عند تفسيره لـ"الكتاب المكنون"فى سورة"الواقعة"، ولـ"اللوح المحفوظ"فى سورة"البروج"، إذ قال إنهما إشارة إلى حفظ القرآن الكريم من كل عبث، إضافةً كان أو حذفًا أو مسخًا، لأن الله قد تكفل بحفظه إلى الأبد7.
أما المواضع التى قارن فيها بين ما جاء في القرآن ونظيره في الكتاب المقدس فهى كثيرة، ولكننا نجتزئ ببعضها عن سائرها: فمن ذلك تعقيبه على الآية 135 من سورة"البقرة"، التى تذكر"مقام إبراهيم"، بأن رحلة خليل الرحمن إلى الحجاز ليست بالأمر الذى يصعب أن يقوم به بدوى يستعمل البعير في تنقلاته. ثم يمضى محاولا إثبات أن رواية العهد القديم التى تقول إن البَرِّيَّة التى ترك فيها أبو الأنبياء زوجته وابنه هى بَرِّيّة"بئر سبع"، ورواية القرآن التى تقول إنه إنما ذهب بهما إلى الحجاز، لا تتناقضان، قائلا إن برِّيَّة"بئر سبع"كانت تعنى عند العبرانيين الذين كانوا يسكنون المدن آنئذ أقصى جنوب فلسطين وما وراءها من الصحراء العربية حتى الحجاز نفسه8.