-إن هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأجرام سماوية ، وما يصدر عن هذه الموجودات وما يتعلق بها ويحل فيها ، وما يقع من حوادث كونية كنزول المطر وهبوب الريح وثوران بركان وتعاقب الليل والنهار ، وما يحصل للإنسان من أطوار خلقه وتكوينه في بطن أمه وما يحدث له وللأمة من شقاء وسعادة ورفعة وسقوط وعلو وانحطاط وقوة وضعف وبقاء وفناء ونحو ذلك كل ذلك الذي ذكرنا وجوده وحدوثه في العالم لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق صارم لا يخرج عن أحكامه شيء.
2-الوجه الأول لهذا القانون العام:
ولهذا القانون العام الذي أشرت إليه وجهان: (الوجه الأول) هو الذي تخضع له جميع الكائنات الحية في وجودها المادي وجميع الحوادث المادية ، ويخضع له كيان الإنسان المادي وما يطرأ عليه مثل نموه وحركة أعضائه ومرضه وهرمه ولوازم بقائه حيًا ونحو ذلك. وهذا الوجه من القانون العام وما يخضع له مما ذكرناه من الأمور المادية للكائنات ، أقول هذا الوجه من هذا القانون لا يختلف في وجوده أهل العلم بهذه الأمور المادية ، ولا يختلفون في خضوع ما ذكرناه له.
3-دلالة القرآن على هذا الوجه من القانون:
قد دل القرآن الكريم على هذا الوجه من هذا القانون العام في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي إليها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) , وفي خلق الإنسان وخضوعه لهذا الوجه من القانون قوله تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) ، من الواضح البين أن خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها وهو في بطن أمه يخضع في ذلك كله إلى قانون عام ثابت.
4-من سمات هذا القانون الثبات والاستمرار:
ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول ، ثباته واستمراره بدليل اطراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون ، فالأرض تحيا بالمطر ويخرج منها النبات ، قال تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًا فمنه يأكلون) . وكذلك جريان الشمس والقمر ، وجريان الفلك في البحر وفقًا لهذا القانون العام ، ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظواهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون ، ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفت النظر إليها واعتبارها من آيات الله تعالى. فمن هذه الآيات قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) .
5-آلات المعرفة بهذا القانون:
وآلات المعرفة بهذا القانون العام هي ما أشارت إليه الآية الكريمة: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) . قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: (وجعل لكم) أي وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به.
6-سبيل المعرفة بالقانون العام (بوجهه الأول) :
وسبيل المعرفة بالقانون بالآلات التي ركبها الله في الإنسان (السمع والأبصار والأفئدة) يكون بالمشاهدة والنظر والتأمل واستخلاص النتائج في ضوء ذلك للتعرف على القواعد التي تحكم موجودات هذا العالم وحوادثه المادية. جاء في تفسير الآلوسي بصدد الآية الكريمة: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ، قال الآلوسي رحمه الله تعالى: (والمعنى: جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزيئات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم - أي بعقولكم - وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية) .
والقرآن الكريم أمر بالنظر والتفكير فيما خلق الله السموات والأرض ليزداد الناس يقينًا بأن الله الخالق العظيم ، وليعلموا أن ما خلقه الله كان بدقة ونظام ، وأن كل ما فيه يجري بأمر الله ، أي وفق ما وضعه له من نظام. فمن هذه الآيات الداعية إلى النظر في الكون والتأمل بما فيه للوقوف على أسراره وكيفية جريانه قوله تعالى: ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض) .