فهرس الكتاب

الصفحة 3608 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

1-"الأسلوب والأسلوبية"موضوع جديد في ميدان الفكر والأدب، ظهر في الربع الثاني من القرن العشرين، وكان أول من بدأ بها"شارل بالي"تلميذ"دي سوسير". ثم انطلقت مذاهبها في تيّارات مختلفة متضاربة مصاحبة لتيّارات الحداثة والبنيوية والتفكيكيّة ومنطلقة منها.

لقد كانت كلمة"الأسلوب"وما يرادفها في اللغات الأُخرى كلمةً واضحة لدى العامة والخاصة، وكان هنالك دراسات وتصورات للأسلوب واضحة كذلك مهما اختلفت فيها وجهات النظر. بل أكثر من ذلك، كانت الدراسات حول الأسلوب مفيدة للأديب ولما ينتجه الأديب، مساعدة على نمو العطاء والإتقان والإحسان فيه.

وحسب ما أعتقد، فقد جاءت الدراسات الحديثة"للأسلوب والأسلوبية"لتطرحه في متاهة واسعة من مظانّ الفلسفة وسراديبها، دون أن تكون عاملًا مساعدًا للأديب أو لعطائه، أو للأدب بصفة عامة. هذا هو الشعور الذي تملكني وَأَنا أَدرس هذه القضية في متاهاتها المظلمة.

ومهما يكُن من وجهات نظر مختلفة حول هذا الموضوع بين بعض الأدباء، إلا أن الذي يجب ألا يُختلَفَ فيه هو رفض ما ورد من إساءة للتصَوُّر الإيماني، والإساءة في تأويلٍ فاسدٍ لبعض الآيات الكريمة.

ولا يختلف اثنان أن"الأسلوب والأسلوبية"كما ظهرت في هذا القرن، هي وليدة الحداثة ومختلف مذاهبها من بنيوية إِلى تفكيكية إِلى غير ذلك.

يَتلقَّى بعضهم ما يَرِدُنا من العالم الغربيّ اللادينيّ والعَلماني، تلقّي القَبول والاستسلام، دون أدنى محاولة للتمحيص والتدقيق، وردّ الأُمور إِلى منهاج الله. وقد بلونا من ذلك كثيرًا. ولم يدرك بعض أبناء المسلمين أَنَّ بَيْنَ ما يَردُنا سمًّا زُعافًا طواه الزخرف المُغْري. والأعجب أن أكثر ما أخذناه كان في ميدان فتنة الفكر والخلق، وفساد الممارسة وانحلال القيم، وقليلون أولئك الذين يتساءلون كيف دخلت علينا أنواع الرقص وجنون الغناء ولهيب الفاحشة، ولم تدخل الصناعة التي تعين على حماية ديارنا وأعراضنا وأموالنا ؟! كيف دخلت شعارات مساواة المرأة بالرجل ولم تدخل شعارات مساواة الإنسان بالإنسان في ميدان الإنسانيّة وشعارات الديمقراطيّة وحقوق الإنسان ؟! كيف جاء طوفان الإعلام يدعو إلى جميع أشكال هذه الفتن ولم يدع إِلى حق المسلمين بأن يمتلكوا القوة العلميّة والصناعية والعسكرية ؟!

كيف رضي بعض المسلمين من خلال دعوة السلم والسلام أن نُلْقِيَ أسلحتنا ويمضيَ الغربُ يُنمّي أسلحته الفتاكة المبيدة ؟!

بزُخْرُفِ فتنةٍ وغُرورِ حَالِ (1)

يُمَنّيهِمْ عَدوُّ الله مَكْرًا

وحِينًا بالفَسَاد أوِ الضّلالِ

ويَخْدعُهم بِدَعْوى السِّلم حِينًا

ودارُوا في هَوى قيلٍ وقالِ

فألْقَوْا عن كَواهِلهمْ سِلاحًا

وفتّحتِ الديارُ لكلِّ قالِ

فَفُتِّحتِ القلوبُ لكلِّ غازٍ

يُقَتِّل باليمين وبالشِّمالِ

وفاجَأهم سلاحٌ ذو مَضَاءٍ

ولقد سعى أَعداء الله إِلى غزو العالم الإسلامي بكلِّ أنواع الأسلحة الفكرية والقتالية والأدبية. ولقد تميّز سلاحهم الأدبيّ المدِّمر بأنه لا يهاجم الدين الحق

بصورة مباشرة تستفُّز الشعور وتوقظ الغافلين في أغلب الأحيان. كلاّ ! إنه يهاجم بأسلوب غير مباشر، ويَسْتَغلُّ شهوات الإنسان وأهواءه ونزعاته المتفلّتة ورغباته المفتونة.

ومن هنا كان خطر الأَدب الزائف الذي يحمل الفتنة كما تَحْمل الحلوى السمّ.

لذلك كان من أهم أسباب دراستي للحداثة والبنيوية والعلمانية والأسلوب والأسلوبية هو نزع غطاء الزخرف الكاذب وكشف الفتنة وسمِّها، من خلال منهاج الله، وبأسلوب الحجّة بالحجة، لا بالمهاترات والصراخ والشعارات.

والقضيّة الثانية التي أُحِبُّ أن أُثيرها، هي أنَّ بعضنا يرَى الغرب العلماني في قمة الصواب، وأن ما يطرحه من نظريات فكرية وأدبيَّة هي ذروة ما يسمونه"الإبداع"! وسَرَتْ هذه الشائعة، حتى توهَّم الكثيرون منا أَنَّنا لا نملك القدرة على طرح نظريات إيمانيّة نابعة من منهاج الله، لنردّ على النظريات العلمانية. والحقيقة التي لا شك فيها أن منهاج الله كنز عظيم لا يفنى، ويمكن أن نَصْدُرَ عنه بأغنى النظريات الفكريَّة والأدبية وغيرها، وأغنى المصطلحات، وأقوم المناهج، وأصدق الوسائل، لننهض إلى واجبنا بإنقاذ الإنسان، إنسان اليوم، من مخالب الضواري وأنياب الوحوش الكواسر، المجرمين الظالمين المعتدين في الأرض، أهل الفتنة والفساد:

سَيَرُدُّ كيدَ المجرمين الجُحَّدِ (2)

المجرمون استكبروا في الأرض مَنْ

لله تنهج بالسبيل الأقْصَدِ

فئة معطّرة الجهادِ غنيّةٌ

ماضٍ وكلّ مصدّقٍ متجرِّدِ

من كلّ أروعَ في الجهاد مجرّبٍ

لله لم يشرك ولم يترَدّدِ

أغنى الحياة بصدقه وولائه

ملأ الزّمان وعطَّرَ الأفْق الندي

فئة كأنّ المسكَ من أنفاسِها

طَلَعَتْ ويغْنَى كلُّ وادٍ أجْرَدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت