فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تتمة سورة المدثر
الحلقة (15) الجمعة 4 ذي القعدة 1395هـ-7 تشرين الثاني 1975م
العلامة محمود مشّوح
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون فقد أتينا بالبيان في الأسبوع الماضي عن آيتين اثنتين من سورة المدثر؛ هما قول الله تعالى لرسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم (ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر) وأظنُّ البيان عنهما كان كافيًا؛ وإن كان لبعض الإخوة رأي في أن أمورًا أخرى يجب أن تطرح وتثار ولا بأس وخاصة بالنسبة لهؤلاء الإخوة؛ أن ألفت أنظارهم إلى أمر يتعلق بصناعة الكلام فالمتكلم الذي يعرف ما يقول يعرف أن الكلام هندسة معينة فإن الأفكار والألفاظ في الكلام؛ تُنَسَّقان وتقدمان على قدر معلوم وأن الإخلال بهذا النسق إساءةٌ إلى الأسلوب والفكرة جميعًا، وما أنكر أن أمورًا كثيرة وخطيرة كان يجب أن تقال، ولقد كنت أقدر أنني سأستدرك في هذا الأسبوع بعض الذي فات ولكني من أسف لا أجدني الآن أنشط للكلام فلنقل ما يَسَّرَ الله تعالى.
أذكر بعض حوادث كانت في الأسبوع الماضي وقبله تلح على خاطري تراودني في الليل والنهار وأنا أفكر في هاتين الآيتين الكريمتين، وكثيرًا ما شعرت بشعور لا أستطيع له وصفًا ولا تحليلًا وأنا أقرأ قول الله تعالى (ولا تمنن تستكثر) أشعر بصغار كبير وقماءة وقزامة أشعر بتفاهة تلفني من جميع أقطاري، أشعر بأن هذه الدنيا التي تموج وتتحرك بأشيائها وبأحيائها غير خليقة بأن يقال لها هذا الكلام؛ أيُّ عالم نوراني سام عظيم، ذلك الذي يُرْفَعُ إليه محمد صلى الله عليه وسلم ويُشَدُّ إليه المؤمنون وهم يخاطَبون بهذا الكلام، أية مرحلة من السمو وصلوا إليها، وأية عقبات ومصاعب ومشقات هذه التي قطعوها وصارعوها فصرعوها، حتى استقامت لهم أمورهم وذلت لهم نوازعهم ووجدوا أنفسهم بين يدي الأمر والنهي أطوع من الخاتم في الإصبع.
كانت الخواطر بل الحوادث ليس من تصورات الذهن ولكن من وقائع التاريخ المنير المضيء الذي يرميه الصغار والإمعات والتافهون بالرجعية وبالتخلف وبعدم الصلاح للتجاوب مع حياة الناس اليوم، حوادث من ذلك التاريخ البعيد الذي أشرق على الدنيا يوم كانت الدنيا همجًا وهملًا وشيئًا أقرب ما يكون إلى حالة الحيوان، أذكر مثلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس في مجلسه وكان فيهم جِلةُ الأصحاب وكان فيهم من هم دون ذلك، وكان أمر فقام رجل يسبُ أبا بكر، وأبو بكر صامت ثم يلح في السباب وأبو بكر صامت، ثم يخرج عن الطور فيغلط ويتجاوز ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده من حدود الأدب، فيرد أبو بكر، كل ذلك والنبي عليه الصلاة والسلام يتبسم حتى إذا رَدَّ أبو بكر رضي الله عنه قطب عليه الصلاة والسلام وعبس ثم قام، وقبل أن يغادر المجلس قال هؤلاء الكلمات الحكيمات لأبي بكر رضي الله عنه.
"إنك حين كنت ساكتًا كان إلى جوارك ملك ينافح عنك -أي يخاصم عنك- حتى إذا تكلمت غادر الملك وحضر الشيطان وما كنت لأجلس مجلسًا فيه شيطان".
وأذكر أن أبا بكر رضي الله عنه بالمعهود فيه من سماحة ومن طيب عنصر، ومن طلاقة يد كان يسخر ثروته وما جمعه من مال لكفالة اليتامى والإنفاق على المساكين وتسخير هذا المال لمصالح المسلمين؛ وكان فيمن ينفق عليهم مسطح بن أثافة، وهو رجل يمت إليه بقرابة ومضت الأيام وأبو بكر يعول هذا الإنسان ينفق عليه ويقوم باحتياجاته جميعًا، وكانت حادثة الإفك حين أرجف المنافقون أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وابنة الصديق الأكبر قد قارفت الإثم، وكان أناس يتولون كبر الترويج لهذه المقالة الشنيعة وكان ممن تولى كبر الترويج لها (مسطح) هذا.. لم يرده عن غيّه أن أبا بكر والد السيدة الجليلة، هو صاحب الفضل عليه، بل ذهب يشيع قول السوء عن ابنة أبي بكر رضي الله عنه، ولما سمع أبو بكر بما كان من مسطح قطع النفقة عنه، أخذه ما يأخذ الإنسان من غضب لعرضه ومن أسفٍ للأيادي البيضاء، والفضل العظيم الذي سلف ذات يوم.
وظني أن أبا بكر رضوان الله عليه كان حينها يشعر بحرقة شديدة على هذه الأخلاق الهابطة، كيف ينزل إليها الناس، وكيف يصير الجحود ونكران الجميل، جاءه الرسول يدعوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب ودخل مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استقر به المجلس تلا عليه ما أنزل الله جل وعلا في شأن هذه الحادثة عمومًا وفي شأنه وشأن مسطح على وجه الخصوص، وقرأ عليه قول الله تعالى:
)ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى واليتامى والمساكين ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم(.
ففاضت عينا أبي بكر رضي الله عنه وقال:
"بلى والله يا رسول الله إني لأحب أن يغفر الله لي".
ثم أرجع النفقة المقطوعة إلى مسطح.