فهرس الكتاب

الصفحة 3696 من 27345

الأمة الإسلامية في حالة غزو من أعدائها في الداخل والخارج، غزو في عقيدتها، غزو في أخلاقها، غزو في تصوراتها، غزو في تحريف مفاهيمها، وهذا الغزو يتطلب من كل مسلم إعداد العدة والأخذ بأسباب النصر التي بينها الله في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وحول كيفية النصرة لله وإعداد العدة كان هذا الدرس.

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، أما بعد،،،

فإن أعداء الإسلام قد غزوا هذه الأمة من كل وجه، فغزوها من جهة العقيدة والفكر، فغيروا العقائد، وحرفوا الأفكار، وهذا دأبهم قديمًا وحديثًا، ولا ننسى أيضًا ما يقوم به أهل البدع والأهواء من غزو لمعتقد أهل السنة والجماعة، ومحاولة صرف وتغيير وتبديل لما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم أجمعين، فيلبسون لباس أهل الإسلام، وهم في الحقيقة أعداؤه، ولكم أضروا بالمسلمين وبمعتقدهم وبسلوكهم، وكم أسالوا من دماء، وكم فرقوا الأمة، وكم شتتوا شملها، وكم أغروا العداوة والبغضاء بين أفرادها !!

فخطرهم عظيم، ولقد أشار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ إلى خطرهم في مواضع كثيرة، وأخبر أن هؤلاء أولى بالمحاربة والجهاد من العدو الظاهر: من العدو اليهودي، والنصراني، والمشرك، لأن أولئك عوارهم وعيبهم ظاهر لكل مسلم، والخوف كل الخوف من هؤلاء الذين يغزون الإسلام من الداخل، ويؤخرون الأمة عن النصر، وأنتم تعلمون إن الله قد تعهد بنصر الأمة المؤمنة العاملة العمل الصالح، ومن انحرف عن الإيمان، وانحرف عن التوحيد والعقيدة والمنهاج المستقيم، فإنه سيتأخر عن النصر بلا شك .

وغزا أعداء الله- أيضًا- المسلمين في أخلاقهم، وفي معاملاتهم، غزوا سلوكهم، فأفسدوا الأخلاق، وهدموا المثل العليا، ولم يزل به الأمر حتى نحوا شريعة الله عن حياة المسلمين، وزينوا لبعض أبناء المسلمين أن هذه العقيدة، وهذه الشريعة لا تصلح لمثل هذا الزمان، وإنما هي كانت لزمان ماض قد مضى وانمحى .

أيها الكرام: إن علينا أن نحذر دائمًا، وأن نتنبه، ونتعرف على الداء لنعرف الدواء، يجب علينا أن نقف في نحور هؤلاء الأعداء جميعًا، ولاسيما العدو المستتر، ونستخدم في ذلك جميع مانقدر عليه من أسباب مادية ومعنوية، ولابد لنا من أسباب وشروط إن أخذنا بها سننتصر، وتكون لنا العزة والنهضة والقوة في الأرض إن شاء الله .

من أسباب وشروط النصر والعزة:

إخلاص العمل لله: أن ننوي بأعمالنا وجه الله، أن ننوي بدعوتنا وجهادنا بألسنتنا وأيدينا وأموالنا إعلاء كلمة الله في الأرض، وتحكيم شريعته، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، نية صادقة لا يشوبها رياء ولاسمعة، ولارغبة في الدنيا، ولا التفات إلى ما في أيدي الناس، وهذه من أعظم أسباب النصر للرسل وأتباعهم: { ...قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا... [90] } [سورة الأنعام] . كان الأنبياء يكررونها لأقوامهم: { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [109] } [سورة الشعراء] . فننوي الإخلاص لله بدعوتنا وجهادنا وعملنا وقولنا سرًا وجهرًا .

أن تكون لدينا العزيمة الصادقة القوية على تنفيذ أوامر الله: في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في الصحة والمرض، في الفقر والغنى على كل حال، كما فعل سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونضرب لذلك بمثالين عظيمين يتجلى فيهما ماحصل لصحب النبي صلى الله عليه وسلم من الجهد والمشقة، والنصب والتعب .

• أولهما: في غزوة أحد: لما حصل لهم ما حصل من التعب والجهد والمشقة واستشهاد من استشهد منهم، ولما همّ المشركون بعد انصرافهم من أحد ليرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه زاعمين أنهم يريدون استئصال ما بقي منهم، ندب النبي صلى الله عليه وسلم صحبه إلى النهوض لقتال العدو مرة أخرى، فأجابوا النبي صلى الله عليه وسلم على ما فيهم من الجراح والتعب والنصب، استجابوا لذلك طاعة لله، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء لفضل الله ورضوانه، ولقد ذكر الله ذلك في قرآن يتلى إلى يوم القيامة قائلًا: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [172] } [سورة آل عمران] .

وقد دحر الله عدوهم، و ألقى في قلبه الرعب، فرجع أبو سفيان، وكان إذ ذاك كافرًا ولم يمض لأمره؛ فقال تعالى: { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [174] } [سورة آل عمران] . فأثابهم الله حسنُ الثواب، وانقلبوا بطاعة الله ورسوله ورضوان من الله جل وعلا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت