فهرس الكتاب

الصفحة 3697 من 27345

•والمثال الثاني: في غزوة الأحزاب: ماجرى للصحابة رضي الله عنهم التي طال فيها حصار المشركين، وهزمهم الله عز وجل، ورجع الصحابة إلى بيوتهم وأهليهم بعد طول الحصار والمشقة والتعب، رجعوا مقبلين على أهلهم طالبين للراحة، وللأهل:' فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ فَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنْ الْغُبَارِ فَقَالَ: [ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ فَأَيْنَ] فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ' رواه مسلم .

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وندب الصحابة إلى الخروج، وانظروا إلى العزائم، عزائم الرجال، كيف استحابوا لله والرسول، قال صلى الله عليه وسلم عند ذلك: [لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ] رواه البخاري ومسلم . فخرج الصحابة، منهم من التزم ظاهر نصه صلى الله عليه وسلم ولم يصل إلا في بني قريظة، ومنهم من قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد منا سرعة الخروج، فصلى في الطريق، ثم وصل إلى بني قريظة .

هكذا كان امتثال السلف والرعيل الأول من هذه الأمة، هكذا كان امتثالهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واتباعهم له بغير جدال، ولاتردد ولانقاش، وهكذا كان صدق عزائمهم مع الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم ولذلك حقق الله لهم النصر المبين على عدوهم، فكانت العاقبة لهم، والعاقبة للمتقين .

اجتناب معصية الله: فإن معصية الله من أعظم أسباب الخذلان في الدنيا والآخرة، ومن أعظم أسباب تأخير النصر عن الأمة، فإذا أردنا النصر على عدونا فلنطع الله ورسوله، ولنخش الله تعالى، ونتقيه، فإن فعلنا؛ فإن الله تعالى ناصرنا على عدونا .

ولقد حصل من الصحابة مخالفة ومعصية في غزوة أحد، فمن جرّاء هذه المعصية الواحدة، وهي معصية تنظيمية، يعني ليس فيها شرب خمر ولا فعل فاحشة، قال لهم صلى الله عليه وسلم: [ إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ] رواه البخاري . فالصحابة الذين كانوا على جبل الرماة لما رأوا المسلمين قد هزموا المشركين تخلوا أو تخلى بعضهم عن هذا المكان الذي عينه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقائدهم في تلك المعركة، فحصلت الهزيمة، قال الله تعالى: { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [152] } [سورة آل عمران] .

هذا ما حصل للمؤمنين من جراء معصية واحدة، فكيف بمن عصى الله في أمور كثيرة ؟! فكيف وفي العرب اليوم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، أو في إيمانه شك ؟! وكيف وفي المسلمين اليوم من يعتقد أن الشريعة والتزامها رجعية وتخلف؟! وكيف وفي المسلمين اليوم من لا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة ؟! وفي المسلمين من لا يصوم رمضان، ولا يعرف حج بيت الله الحرام ؟! وفي المسلمين اليوم من يشرب الخمر، بل في أسواق المسلمين إلا الندرة من بلاد المسلمين تباع الخمور علانية ! وتشرب علانية ! كيف ونساء المسلمين اليوم متبرجات، مائلات مميلات، فاتنات مفتونات !! وكيف وأسواق المسلمين اليوم تعج بمحاربة الله تبارك وتعالى بأكل الربا الذي أعلن الله الحرب على أصحابه؟! كيف وأسواق المسلمين اليوم تعج ببيع آلات الطرب والمعازف والغناء، وأشرطة الفيديو المحتوية على الخلاعة والمجون؟! كيف؟ وكيف؟ وكيف؟!

الصحابة رضي الله عنهم من جرّاء معصية واحدة حصل لهم ما حصل، فكيف يحصل النصر لأمة الإسلام اليوم وفيها مثل هذه الأدواء، وهذه البلايا التي يحار المرء بأيها يبدأ ؟!

ألا نعجب بأنفسنا: فإن الإعجاب بالنفس من أسباب تأخر النصر، ومن أسباب البعد عن العزة والكرامة التي يريدها الله لعباده المؤمنين، فإن الإعجاب بالنفس سبب للحرمان من فضل الله ونصره؛ لأن الإعجاب بالنفس معناه نسيان ربنا سبحانه وأن النصر منه كما قال: { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [126] } [سورة آل عمران] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت