فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 27345

أثر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المجتمعات - الغرب نموذجًا

أ.د. جعفر شيخ إدريس*

علاقة الأمر والنهي في المجتمع بالقيم السائدة فيه

الأمر والنهي:

الأمرُ والنهيُ من لوازم المجتمعات البشرية. ففي كل مجتمع مَنْ يأمر ومَنْ ينهَى أيًَّا كان حجم المجتمع وأيًَّا كانت عقائدُه وأيًَّا كان زمانُه ومكانُه. فالعادات والتقاليد أَمْرٌ ونَهْيٌ، والقوانين التي تصدرها السلطات أمر ونهي، والإعلام أمر ونهي، والخطب والمواقف السياسية أمر ونهي، بل إنَّ إشارات المرور أمر ونهي.

فالمجتمعات لا تختلف إذن في أصل الأمر والنهي وإنما تختلف في ما تأمر به وما تنهى عنه. وأوامرها ونواهيها تابعة للقيم والأفكار والأهواء الشائعة فيها، والتي تمثل معاييرها لما هو مقبول وما هو غير مقبول.

لكن الناس مهما اختلفت عقائدهم يتفقون على حسن بعض الأشياء وقبح بعضها. وذلك لأن الله تعالى فطرهم على أصل المعرفة بحسن بعض الأشياء وقبح بعضها. فالناس مفطورون مثلًا على معرفة حسن الصدق والأمانة والعدل والرحمة والأخوة والتعاون على الخير. وهم مفطورون على سوء أمور كالكذب والخيانة والظلم وكل ما كان فاحشا من الأقوال والأفعال.

ولكن بعض العقائد والتصورات قد تكون متنافية مع بعض ما فطر الناس عليه، ولذلك فإنهم ينكرونه. فالأمر كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرةِ فأبواهُ يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه، كما تُولد البهيمةُ بهيمة جَمْعاء. هل تحسون فيها من جَدْعاء؟ ) )

علاقة القيم الإسلامية بالأمر والنهي:

لما كان الإسلامُ دينُ الفطرةِ، فإنَّه جاء ليقرَّ كُلَّ ما شهدت الفطرةُ بِحُسنهِ ويثْبتَهُ ويهدي الناس إلى لوازمه وإلى خير الطرق التي تعينهم على الالتزام به.

ولما كان المعروف هو ما كان أصلُ المعرفة بحسنهِ في الفطرةِ فإنَّ الله تعالى أَمرنا بفعلهِ وأن نأمر به، وبما أن المنكر هو ما كان أصل نكارته مركوزًا في الفطرة فإنَّ الدين إنما جاء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:157) .

ولهذا أمر أن تكون معاملة الناس كلها بالمعروف من عفوٍ ووصية وإمساك وتسريح وتراضٍ وقولٍ وغيرها.

بل أمر أن تكون الأمةُ كلُّها أمة آمرةً بالمعروف ناهيةً عن المنكر: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( آل عمران:104) .

وجعل الله تعالى اتصافهم به سببًا لخَيْرِتهم ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) (آل عمران:110) .

وهداهم إلى خير الطُرُق للقيام بهذه المهمة، وذلك لأن مجرد الأمر بالشيء لا يجدي إذا لم يعرف الإنسان السبب المؤدِّي إليه، بل إن حاله يكون كحال من قال اللهُ عنه:( كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي

ضَلَالٍ ) (الرعد:14) .

ولو كان مجرد الأمر والنهي يجدِي لاستطاع كلُّ إنسانٍ أن يكون مصلحًا. فما عليه إلا أن يكتب قائمة بما يعرف أنه نافع للناس وقائمة أخرى بما هو ضار بهم ثم يقول لهم: افعلوا هذا واتركوا ذاك.

فلكَي يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجّديًا لا بدَّ أن يكون مبنيًّا على مُعقتدات وقِيَم مِن شأنها أن تساعد المأمور بفعل المعروف وترك المنكر، كما أنه لا بد من وسائل تعين الآمِر بالمعروف النّاهِي عن المنكر. و الوسائل التي تساعد الناس على فعل المعروف.

علاقة الأمر والنهي بالقيم الإسلامية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت