فهرس الكتاب

الصفحة 6965 من 27345

الخلافات الفقهيّة عناصر الاتفاق وضوابط الافتراق

د. كمال عبيد*

المقدمة: مقتضى الإيمان بالله ورسوله الاعتقاد بأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قد جمعت فأوعت، وأجابت عن تساؤلات الخلق فيما يخص معاشهم ومعادهم، وعملت على إصلاح حالهم دنيا وأخرى، كل ذلك وفقًا لأحكام عادلة غير صادرة عن البشر (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) ، ولكن شاءت قدرة الله تعالى ــ وهو العليم بخبايا النفس البشرية (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ــ أن يحكم هذه النفس وفق ضوابط محددة، لا تصلح ــ أي النفس البشرية ــ إلا بالتزام هذه الضوابط وتنفيذها والاحتكام إليها.

هذه الضوابط جاءت لتحدد طبيعة هذه العلاقة بين الفرد وربه، وبين الفرد وغيره من الناس، وبين الفرد ونفسه (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) )، وإنها لتتدخل في أخصِّ خصائص حياة الفرد؛ حتى تكون حياته كلها ربانية، وبذلك يتحقق للفرد ما عجزت البشرية عن أن تحققه له اعتمادًا على عقلها وإعمالًا لرأيها بعيدًا عن الله.

هذه الضوابط ذخر بها كتاب الله تعالى وذخرت بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يألُ فقهاء هذه الأمة جهدًا في استنباط الأحكام من هذه المصادر، وصاغوها في قواعد وقوانين تلبّي حاجة البشر مباشرة في كل مكان وزمان؛ وذلك تأكيدًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن القرآن: (( فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد ) )، وتلبية لحاجات النفس البشرية المختلفة، وحلاًّ لقضاياها حال تدنِّيها، وحال وسطيتها، وحال مثاليتها، وتلبيةً لحاجة المجتمعات في مرحلة البساطة ومرحلة التعقيد، ولعل هذا هو السر في أن يكون الإسلام هو دين آخر الزمان، وأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو آخر الرسل وخاتم النبيين.

هذه الضوابط المستقاة من الكتاب والسنة ــ والتي تأخذ صفة الإلزام، ويتوفر بموجبها للوالي حق الجزاء ــ نطلق عليها لفظ أحكام، وهذه الأحكام في مجملها تكوِّن الشريعة الحاكمة لسلوك الفرد والجماعة، الضابطة لتصرفات الراعي والرعية.

هذه الشريعة شاء الله تعالى أن تكون أحكامها في القرآن بصورة مجملة في كثير من جوانبها، كما كانت طبيعة الحياة وسنة الله في كونه أن تختلف ظروف حياة الأمم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان في الزمان الواحد، وحتى تستجيب هذه الشريعة الخاتمة للرد على كل التساؤلات، وحل كل المشكلات التي تقابل الناس في حياتهم؛ كان لا بد أن تحتوي على قدر من المرونة يمكِّنها من ذلك، مرونة لا تفقدها فتصاب بالجمود، ولا تفرط فيها فينفرط عقدها.

لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض له المشكلة فيفتح الله عليه حلها وحيًا يُتعبد بتلاوته في الكتاب، أو وحيًا في السنة يحتكم إليه الناس دون تعبد بتلاوته، (( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ) (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي ) )؛ لهذا لم يتوقف الناس كثيرًا أمام المشكلات التي تعترضهم والرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم. واختار الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جواره ولما يأذن الله لحياة الناس بانقضاء، وشاءت قدرته أن تستمر هذه الحياة فتفرز كل صباح جديد مشكلة تشبه أو تختلف عن مشكلة سابقة، والناس في مسيرهم لا بد لهم أن يقفوا على حل لهذه المشكلات، فكان أن قيّض الله لهذه الأمة علماء جعلهم ورثة لأنبيائه في علمهم، وكان أن خص الأمة الخاتمة بخصيصة لم يأذن بها لأمة سلفت، فجعلها جل في علاه لا تصدر عن رأى جماعي فيه ضلالة ولا شبهة ضلالة، (( لا تجتمع أمتي على خطأ، ولا تجتمع أمتي على ضلالة ) )، بل وكان مما خصها به أن جعل الاختلاف في استنباط الأحكام ــ بلا تعصب قطعًا ــ مظهرًا من مظاهر رحمته بالأمة.

لكن ظن البعض أن هذا الاختلاف يعبِّر عن فرقة في الأمة، وشتات في رأيها وانقسام لكلمتها، وودوا لو سار الناس على نهج واحد، وذهب بعضهم إلى تحريم مظاهر الاختلاف، ووجوب حمل الناس على رأى احد.

وهذه الدراسة تعنى ــ إن شاء الله قدر المستطاع ــ بإزاحة الغبار عن هذه المسألة، وفهم مضمون الاختلاف فهمه الصحيح، وبيان سبب الوقوع فيه، وهل بالإمكان تلافيه، ثم بيان لحال من ذهب في الاختلاف مذهبًا غير حميد، وما أفضى إليه موقفهم ذاك.

الفصل الأول

عناصر الاتفاق حول الأحكام الشرعية ومصادرها

مدخل:

يعرِّف الأصوليون الحكم الشرعي بأنه"خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين طلبًا أو تخييرًا أو وضعًا".

أما الفقهاء فيعرفونه بأنه"الأثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في الفعل كالوجوب والحرمة والإباحة" ( [1] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت