هذه الأحكام مصادرها الأساسية الكتاب والسنة وهي أعمال كلَّف الله بها العباد, هذه الأعمال تنقسم إلى قسمين:
الأول: معاملة بين الله والعبد:
وهي العبادات التي لا تصح إلا بالنية، وفيها عبادات محضة وهي الصلاة والصوم، وعبادة مالية واجتماعية وهي الزكاة، وعبادة بدنية اجتماعية وهي الحج، وقد اعتبرت هذه العبادات الأربع بعد الإيمان أساس الإسلام.
الثاني: معاملة العباد بعضهم مع بعض:
وهي أقسام:
(أ) مشروعات لتأمين الدعوة، وهي الجهاد.
(ب) مشروعات لتكوين البيوت، وهي ما يتعلق بالزواج والطلاق والأنساب والمواريث.
(ج) مشروعات لطريق المعاملة بين الناس، من بيع وإجارة وغير ذلك، وهي المعروفة بالمعاملات.
(د) مشروعات لبيان العقوبات على الجرائم وهي القصاص والحدود ( [2] ) .
أما هذه الأحكام من حيث الثبات والتغيُّر فإنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
لا يتغير عن حالة واحدة عليها، لا بحسب الأمكنة، ولا الأزمنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
القسم الثاني:
ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له: زمانًا، أو مكانًا، أو حالًا، كمقادير التقديرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع ينوّع فيها بحسب المصلحة ( [3] ) .
هذه هي الأحكام المطلوب من الناس الالتزام بها، والوقوف عند حدودها، والمنع من تعدّيها, ولقد كان عدم الفهم وسوؤه هو السبب الأساس لاختلاط هذه الأحكام على كثير من الناس، واختلافهم عليها، ولقد كان ذلك بسبب فهم بعضهم لمراد هذه الأحكام بالإطلاق، وفهم بعضهم لها بالتخصيص، وتداخل الأمر على بعضهم في شأن الأحكام التي تحض على الفعل: هل هي للإيجاب؟ أم لمجرد الندب؟ والتي تنهى عن الفعل هل هي للتحريم؟ أم لمجرد الكراهة؟
وكان الخلط الذي وقع فيه البعض ــ كذلك ــ بشأن هذه الأحكام ناجمًا عن تقبُّلهم للنص وتفسيره ودلالاته وما إليها.
وغني عن البيان أن نؤكد أن أحكام الدين إنما هي مستمدة من الكتاب والسنة؛ إذ إنهما وافيان بجميع أمور الدين، ولولا ذلك لما قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) أي إلى الكتاب والسنة، ومن هنا نعلم أن مصادر الأحكام الشرعية الأساسية هي الكتاب والسنة.
(أ) المصدر الأول: الكتاب:
أما الكتاب فإنه قد اشتمل على أحكام اتصفت في مجملها بالعموم، وجاءت آياته في الأحكام محدِّدة للمدى الأوسع الذي يمكن أن ينطبق فيها الحكم، فآية كآية الزكاة (خذ من أموالهم) لم تبيِّن مثلًا أي الأموال، ولا مقدار المأخوذ، ولا ما يعتبر أموالًا مما لا يعتبر حسب التملك وغيره, ويمكن أن نقسِّم الأمور التي انتظمها القرآن الكريم إلى الآتي:
(1) أمور تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه مباحث علم الكلام أو أصول الدين.
(2) أمور تتعلق بأفعال القلوب والملكات، من الحث على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وهذه مباحث الأخلاق.
(3) أمور تتعلق بأفعال الجوارح، من الأوامر والنواهي والتخييرات، وهذه مباحث علم الفقه ( [4] ) .
وبما أن القرآن الكريم قد نزل لإصلاح أحوال العباد؛ فإن الأوامر النواهي التي اشتمل عليها لا بد وأن تحقق سعادة البشرية، (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث) ، وحتى يحقق القرآن هذه السعادة فإن أحكامه التشريعية قد روعي فيها:
(1) رفع الحرج. (2) قلة التكاليف. (3) التدرج في التشريع.
والجهل بهذه الأسس التشريعية يوقع الناس في خطل كثير وخطأ كبير، فلا بد للمحتكم للقرآن أن يراعي هذه الأسس كما أن عليه أن يلمَّ إلماما تامًا بما يلي:
(1) اللغة التي نزل بها القرآن، والأساليب اللغوية التي استخدمها القرآن، في الطلب، والتخيير، والكف.
(2) المكي والمدني من الآيات؛ لما لكل نوع منها من مميزات الإلمام بها يساعد على استنباط الحكم.
(3) الناسخ والمنسوخ.
(4) أسباب النزول.
(5) أنواع الأحكام"اعتقادية، خلقية، عمومية".
(6) دلالة آياته وهل هي قطعية أم ظنية؟
فمعرفة هذه الأمور والإلمام بها هي الأساس الذي يرتكز عليه الفرد في معرفة مراد الله تعالى من كلامه، حتى لا يقول فيه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
(ب) المصدر الثاني: السنة:
أما السنة فهي في الاصطلاح الشرعي فهي ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقريرًا ( [5] ) ، وقد جاء في التنزيل الحكيم قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك) ، وقوله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون) ، وقوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ، وقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) ، وقوله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) .