فهرس الكتاب

الصفحة 4207 من 27345

الإعجاز البياني في قوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه )

صالح أحمد البوريني

عضو رابطة الأدب الإسلامي

يظل القرآن الكريم كتاب الله المهيمن على الكتاب كله ، وحجة الخالق على خلقه ، وآية صدق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعجزته الأبدية الخالدة على مر العصور إلى يوم النشور .

ويظل نظْم القرآن اللغوي وأسلوبه البياني منبع الإعجاز القرآني ؛ الذي تفيض منه كل أنواع الإعجاز الأخرى ؛ التي تتسع بها دائرة التحدي الإلهي للثقلين أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، أو أن يأتوا بسورة من مثله أو حتى بآية .

وما زال النظر في القرآن الكريم وتدبر آياته يفتح مغاليق الفهم ، وتشرق به أنوار المعرفة ، وتظهر به أسرار وخفايا هذا الكون العجيب ؛ لتعزز اليقين القائم ، وتؤكد الإيمان الراسخ بوحدانية الخالق عز وجل وألوهيته وجلاله وعظمته ، وصدق نبوة أنبيائه ورسله ، وإعجاز قرآنه وإشراق أنوار بيانه .

أجل ؛ إن النظر في نظم آي القرآن ، وتأمل أساليبه وتراكيبه يزيل ـ مع ظهور آيات الأكوان وتبَدّي سنن الله تعالى في حياة الإنسان ـ ما عسى أن يكون قد غشي بعض الأبصار من الإبهام ؛ فحارت في إدراك معانيه الأفهام .

ومن ذلك ما سنطرق لبيانه باب آية من كتاب الله عز وجل ، لندخل إلى رحابها ، ونطلع على سر من أسرار إعجازها البياني الذي ظل خافيا دهورا طويلة ، حتى انكشف لأهل هذا الزمان الذي شهد اختصار المسافات ، وتوفير الجهود والأوقات ، بما تَيَسّر لأهله من قدرة على الطيران ، وتسخير المادة لركوب الهواء واختراق الأجواء .

تلكم هي الآية الثامنة والثلاثون من سورة الأنعام ، حيث يقول تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) .

يبين الحق سبحانه أن دواب الأرض وطيورها التي تطير بأجنحتها ما هي إلا أصناف وأجناس وأمم كأمم الناس ، يسري عليها ما يسري على البشر من سنن الله تعالى في الوجود والتكاثر والرزق وغير ذلك ، وأن كتاب الله تعالى محكم لا تفريط فيه ، وأن هذه الأمم جميعا في النهاية محشورة إلى الله تعالى . وهذا هو المعنى الذي نقله العلماء عن أكثر أهل التفسير .

واسمح لي عزيزي القارئ أن أقف بك على جملة قرآنية من الآية هي قوله تعالى: ( ولا طائر يطير بجناحيه ) لننظر في هذه الإضافة الاحترازية، وهي قوله تعالى ( يطير بجناحيه ) . لقد مر عن هذه الجملة القرآنية كثير من المفسرين دون أن يتعرضوا لتفسيرها ولا بيان سبب ورودها ، واجتهد بعضهم في بيان سببها فجاء بأقوال لا تصح . ومن هؤلاء إمام المفسرين ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ حيث يقول:"فإن قال قائل: فما وجه قوله ( ولا طائر يطير بجناحيه ) ؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه ؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة ؟". ثم يبين أن ذكرها إنما جاء من قبيل"إرادة المبالغة جريا على قول العرب في خطابهم: كلّمْته بفمي و ضربته بيدي". وأما القرطبي في تفسيره فبيّن أنها جاءت:"للتأكيد وإزالة الإبهام ، فإنّ العرب تستعمل الطيران لغير الطائر: تقول للرجل: طِرْ في حاجتي". ولا شك أن هذا التأويل بعيد .

ومع ذلك فإن وقوف الطبري عندها ، وغيره ممن حاولوا النظر فيها ؛ لدليل على فطنتهم وسعة فهمهم وعمق نظرهم ، وإن لم يدركوا سرها فإن ذلك لا ينقص بتاتا من قدرهم ولا يحط من مكانتهم ولا يهوّن من شأن علمهم ، لأن علمها في الحقيقة يتجاوز عصرهم ويمتد وراء آفاق مدركاتهم .

نعرف عزيزي القارئ أن الطائر يتميز عن سائر الدواب بجناحيه الذين يمكنانه الطيران ، فإذا ذكر الطائر تبادرت إلى الذهن صورته بجناحين اثنين مطويين أو منشورين ، يخطر على الأرض أو يحلق في الفضاء . لذلك فإنّ ذكْر الطائر يغني عن ذكر جناحيه . فإذا ذكر الطائر وتلاه ذكر جناحيه فلا بد أن يكون وراء ذكرهما قصد مقصود وهدف منشود . فما هو القصد من ذكر الجناحين بعد ذكر الطائر في الآية السابقة ؟ لماذا قال تعالى ( ولا طائر) ولم يكتف بذكر الطائر بل جاء بعده بذكر صفته اللازمة قائلا ( يطير بجناحيه ) ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت