هناك ظاهرة، تتكرر كل حين، في شكل موجات عاتية من الهجوم على ثوابت هذه الأمة وعقائدها ومناهجها، وهي موجات وهجمات تتحد في غاياتها، وإن كانت تختلف في أساليبها وفي أدواتها ورموزها... وهذا الملف، يعالج أخطر وأسوأ مظاهر هذا الهجوم على الدين، وهو ما يجري على ألسنة أدعياء الثقافة والعلم والأدب، ما هي حقيقتهم... ما هي أقوالهم... ما هو حكم الشريعة في أمثالهم... ثم... موقف القوانين الوضعية من الردة.. وهل كانت سببًا في الترويح لدعاوى الردة في بلاد المسلمين؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله - تعالى - أتم هذا الدين وجعل شريعة الإسلام أكمل الشرائع وأحسنها، وقد جاء هذا الدين شاملًا لجميع جوانب الحياة البشرية، ولذا أوجب الله - تعالى - على عباده الالتزام بجميع أحكام الإسلام فقال - سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ) [البقرة: 208] ، كما جاء هذا الدين موافقًا للفطرة السوية الصحيحة، فقال - تعالى: (( فِطْرَتَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ) [الروم: 30] .
فإذا كان الشخص مسلمًا لله - تعالى -، والتزم بدين الله - تعالى -، فأبى إلا أن ينسلخ من الهدى، ويتلبس بالضلال، فيمرق من الحق والنور إلى الباطل والظلمات، فهذا مرتد عن دين الإسلام، ناقض لعقد الإيمان، مصادم لما عليه هذا الكون الفسيح من سماء وأرض ونبات وحيوان من الاستسلام لله - تعالى - والخضوع له، كما قال - سبحانه: (( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) ) [آل عمران: 83] .
وإذا كانت قوانين البشر مع ما فيها من القصور والتناقض والاضطراب توجب مخالفتها عند أصحابها الجزاءات والعقوبات؛ فكيف بمناقضة شرع الله - تعالى -، والانسلاخ من حكمه وهو أفضل الأحكام على الإطلاق؟
لقد شرع الله - تعالى - إقامة الحدود، ومنها: حد الردة تحقيقًا لأهم مقاصد الشريعة وهو حفظ الدين، وهو - سبحانه - الحكيم في شرعه، الرحيم بعباده، العليم بما يصلح أحوال خلقه في معاشهم ومعادهم.
وفي الآونة الأخيرة تطاول شرذمة من السفهاء على هذه الشريعة، فوصفوا الأحكام الشرعية المترتبة على المرتد بأنها استبداد وقسوة ومناقضة للحرية الفكرية... فقام من يرد ذلك الإفك بضعف وتأوّل متكلف وانهزامية ظاهرة (فلا الإسلامَ نصروا ولا(السفهاء) كسروا).
ولذا سنعرض في هذه المقالة لمعنى الردة وشيء من أحكامها وتطبيقاتها، وأسباب الوقوع فيها.
إذا رجعنا إلى كتب الفقه، فإننا نجد أن الفقهاء في كل مذهب من المذاهب الأربعة يعقدون بابًا مستقلًا للمرتد وأحكامه، ونورد فيما يلي أمثلة لتعريفاتهم للردة، أعاذنا الله منها.
ففي بدائع الصنائع للكاساني الحنفي (ت587ه) : (أما ركن الردة فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان؛ إذ الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان) [7/134] .
ويقول (الصاوي) المالكي (ت 1241ه) في الشرح الصغير: (الردة كفر مسلم بصريح من القول، أو قول يقتضي الكفر، أو فعل يتضمن الكفر) [6/144] .
وجاء في مغني المحتاج للشربيني الشافعي (ت: 977ه) : (الردة هي قطع الإسلام بينة، أو فعل سواءً قاله استهزاء، أو عنادًا، أو اعتقادًا) [4/133] .
ويقول البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: (المرتد شرعًا الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو اعتقادًا، أو شكًا، أو فعلًا) [6/136] .
وبنظرة في هذه التعريفات نجد أن الردة رجوع عن الإيمان، فهي رجوع باعتبار المعنى اللغوي؛ فالمرتد هو الراجع، ومن قوله - تعالى: (( وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) ) [المائدة: 21] .
والردة رجوع عن الإيمان باعتبار المعنى الشرعي؛ فالشرع يخصص اللغة ويقيّدها، كما أن الردة هي قطع الإسلام؛ لأن الإسلام عقد وميثاق، وحبل الله المتين، فإذا ارتد الشخص فقد نقض العقد وقطع هذا الحبل.
والردة، كما ذكر البهوتي قد تكون نطقًا، أو اعتقادًا، أو شكًا، أو فعلًا، لكن يسوغ أن ندرج الشك ضمن الاعتقاد باعتبار أن الشك يكون في عمل القلب المتعلق بالاعتقاد.