فهرس الكتاب

الصفحة 24752 من 27345

•من وصية الإمام الشافعي رضي الله عنه

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

ـ 1 ـ

إن من الرجال رجالًا حملوا علوم الإسلام بأمانة ، وبلغوها بصدق ، وساروا بها في الناس لا يبغون عن مرضاة الله حولًا ، ولا يرضون بالزلفى إليه بدلًا ... فكان أن كتب الله لكلامهم القبول في الأرض ، لما أنه ـ مع الحجة والدليل عند الاستنباط ـ مضمخ بندى الإخلاص ـ محمول على أكف الملائكة جمعوا فيه بين العلم والعمل ، ولم يألوا جهدًا في أن يحملوا آلامه على مورد الهداية ... ويقفوها على النبع السلسبيل من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ... أولئك هم أئمة الهدى الذين أشرقت بهم الدنيا ، وصلح بعلمهم وعملهم أمر المسلمين ، وكانوا بحق منارات الضياء للعقول والقلوب على طريقنا الثقافي الأصيل وحضارتنا الإنسانية المثلى . ومن عيون هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي كان كما قال الإمام أحمد بن حنبل كالشمس للدنيا والعافية للأبدان . وإني مثبت هنا جملة من وصيته رحمه الله التي نبصر من خلالها لمحة من التزام المنهج الرباني ، وصورة صادقة عن المسلك الذي كان يسلكه هؤلاء الربانيون . والوصية نقلها إلى الناس الربيع بن سليمان وقد رويت بالسند المتصل إليه .

(حدث أبو العباس محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قرئ على محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله وأنا حاضر هذا الكتاب ، كتبه محمد بن إدريس ابن العباس الشافعي ، في شعبان سنة ثلاث ومائتين ، وأشهد الله عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكفى به جل ثناؤه شهيدًا ، ثم من سمعه: أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لم يزل يدين بذلك ، وبه يدين حتى يتوفاه الله تعالى ويبعثه عليه إن شاء الله تعالى ، وأنه يوصي نفسه وجماعة من سمع وصيته: بإحلال ما أحل الله تبارك وتعالى في كتابه ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، وتحريم ما حرم الله في الكتاب ثم في السنة ، ولا يجاوزون من ذلك إلى غيره ، فإن مجاوزته ترك فرض الله ، وترك ما خالف الكتاب والسنة وهما من المحدثات ، والمحافظة على أداء فرائض الله في القول والعمل ، والكف عن محارمه خوفًا لله عز وجل ، وكثرة ذكر الوقوف بين يدي ربه [يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا] .

وأن ينزل الدنيا حيث أنزلها الله عز وجل ، فإنه لم يجعلها دار مقام إلا مقام مدة عاجلة الانقطاع ، وإنما جعلها دار عمل ، وجعل الآخرة دار قرار وجزاء بما عمل في الدنيا من خير أو شر، إن لم يعف جل ثناؤه .

وأن يخالَّ أحدًا إلا أحدًا خالَّه الله ممن يعقل الخلة لله تبارك وتعالى ، ويرجى منه إفادة علم في دين، وحسن أدب في دنيا .

وأن يعرف المرء زمانه ، ويرغب إلى الله في الخلاص من شر نفسه فيه ، ويمسك عن الإسراف بقول أو فعل في أمر لا يلزمه ، وأن يخلص النية لله فيما قال وعمل ، فإن الله يكفي مما سواه ، ولا يكفي منه شيء غيره . وأوصى متى حدث به حدث الموت الذي كتب الله عز وجل على خلقه ، الذي أسأل الله العون عليه وعلى ما بعده ، وكفاية كل هول دون الجنة برحمته).

وبعد أن ذكر الوصية في أمور أولاده وصدقته قال رحمه الله:

(ومحمد بن إدريس يسأل الله القادر على ما يشاء ، أن يصلي على محمد عبده ورسوله ، وأن يرحمه فإنه فقير إلى رحمته ، وأن يجيره من النار، فإنه غني عن عذابه ، وأن يخلفه في جميع ما خلف ، بأفضل ما خلف به أحدًا من المؤمنين ، وان يكفيهم فقده ، ويجبر مصيبتهم من بعده ، وأن يقيهم معاصيه ، وإتيان ما يقبح بهم ، والحاجة إلى أحد من خلقه بقدرته) .

رحم الله الإمام المطلبي ناصر السنة ، بما قدم للأمة من علم في شريعتها ولغتها ، وبما مهد لفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من طريق ومنهج .. وأعلى مقامه في الآخرين بما كان من تطلعه إلى الآخرة وخشيته لله عز وجل ، وسيره الدائب إلى الله فقهًا في الدين وتفقيهًا للناس ، وسلوكًا في مدارج التقوى بلغ به ـ إن شاء الله ـ مراتب السابقين المقربين .

ـ 2 ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت