فهرس الكتاب

الصفحة 24753 من 27345

عرضنا في العدد الأخير من السنة الماضية لوصية الشافعي رضي الله عنه ، واستبان لنا ما هي ناطقة به من صدق هذا الإمام ، وخشية من الله وهو في آخر مرحلة من مراحل الدنيا ، واستقباله للموت الذي هو نهاية كل حي .. لقد عرضنا لهذه الوصية ورأينا من خلالها سمة من سمات الربانيين . وفي هذا العدد نعيش مع بعض من كلماته التي تنم عن مشاعره وهو في مرضه العضال لندرك أي سر إلهي وراء ما كان من القبول لكلام أئمة الهدى في هذه الأرض ، وأن الأمر ليس أمر علم وكفى ، ولكنه أمر العمل مع العلم ، والتقوى مع المعرفة ، والصلة الدائمة بالله مع الذكر والألقاب والتكريم في دنيا الناس ، بحيث لم يشغلهم عن الله شاغل ، ولا صرف قلوبهم صارف ، وكانوا الأئمة العاملين المتقين ، كما كانوا الأئمة العالمين المجتهدين .

وهل مثل الصبر على البلاء والرضى عن الله تمام الرضى دليل على صدق العبد ، وتمثله لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه من بعده في هذا الباب ؟ حدث يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحدًا لقي من السقم ما لقي الشافعي ، دخلت عليه يومًا فقال لي: يا أبا موسى ، اقرأ عليّ ما بعد العشرين والمائة من آل عمران . وأخف القراءة ولا تثقل ، فقرأت عليه ، فلما أردت القيام ، قال لا تفعل فإني مكروب . قال يونس: عنى الشافعي رضي الله عنه بقراءتي ما بعد العشرين والمائة ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أو نحوه .

وعلى ذلك السنن من المراقبة والصبر إبان شدة البلاء والسقم كان من حاله ما روى المزني رحمه الله أنه دخل على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله .

فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا ، ولإخواني مفارقًا ، ولكأس المنية شارباَ ، وعلى الله واردًا ، ولسوء أعمالي ملاقيًا ، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنيها أو إلى النار فأعزيها .

وهنا تتجلى لنا قدرة المزني على اقتناص الفائدة في وقتها المناسب ، فقد شرب من علم الشافعي ما يروي غليل الراغب الصادق ، والآن يريد لروحه وقلبه وإمامه على فراش الموت .

قال المزني: فقلت: يا أبا عبد الله رحمك الله فعظني .

فقال لي: اتق الله ، ومثل الآخرة في قلبك ، واجعل الموت نصب عينيك: ولا تنس موقفك بين يدي الله عز وجل ، واجتنب محارمه ، وأد فرائضه ، وكن مع الحق حيث كان ، ولا تستصغرنّ نعم الله عليك ، وإن قلت ، وقابلها بالشكر. وليكن صمتك تفكرًا ، وكلامك ذكرًا ، ونظرك عبرة ، واعف عمن ظلمك ، وصل من قطعك ، وأحسن إلى من أساء إليك ، واصبر على النائبات ، واستعذ بالله من النار بالتقوى .

فقلت: زدني رحمك الله ، يا أبا عبد الله .

فقال: ليكن الصدق لسانك ، والوفاء عمادك ، والرحمة ثمرتك ، والشكر طهارتك ، والحق تجارتك ، والتودد زينتك ، والكتاب فطنتك ، والطاعة معيشتك ، والرضا أمانتك ، والفهم بصيرتك ، والرجاء اصطبارك ، والخوف جلبابك ، والصدقة حرزك ، والزكاة حصنك ، والحياء أميرك ، والحلم وزيرك ، والتوكل درعك ، وتكون الدنيا سجنك ، والفقر ضجيعك ، والحق قائدك ، والحج والجهاد بغيتك ، والقرآن محدثك ، والله مؤنسك . فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته .

أجزل الله مثوبة إمامنا المطلبي ، وبوأه في الآخرة نزل العلماء العاملين ، الذائدين عن شريعة الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام .

وتبارك اسم ربنا الذي جعل من العلماء العاملين ورثة للأنبياء ينفون عن الدين كيد المبطلين والجاهلين ، ويبصرون الأمة بحقائقه ويفقهونها فيه سبحانه جعل منهم منارات ضياء وهدى يسعد السالك على هداها في الدارين .

الهوامش:

•"حضارة الإسلام"السنة 17 العدد 10 ذو الحجة 1396 هـ تشرين الثاني 1976 م .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت