فهرس الكتاب

الصفحة 8751 من 27345

العربية لغة الروح والوجدان !

أديب إبراهيم الدباغ

يحق للعربية أَن تفخر بكونها المصطفاة من بين لغات العالم لنزول القرآن الكريم بلسانها. والقرآن قمة ما فوقها قمة في إِعجازه البلاغي، أجمع على هذه الحقيقة بلغاء العربية منذ نزوله قبل أربعة عشر قرنًا وحتى هذا اليوم، فكان لهذه اللغة شرف حمله إلى العالم، وتبليغه إلى البشرية، فعلا قدرها بعلوه، وخلدت على الزمان بخلوده. وإليه يعود الفضل أولًا وآخرًا في حفظها من الزوال والاندثار كما زالت واندثرت كثير من لغات العالم.

والعربية ذات حِسٍّ روحاني، يستمدّ روحانيته من جذورها الغائرة في طبقات التاريخ، ومن عروقها السامّية الضاربة في أصول الديانات والحضارات القديمة، لذا فهي لا تعطي أقصى طاقاتها البيانية إلا إذا كان الموضوع المعالج بلسانها فخمًا عالي المعنى، شريف المقصد، ومتصلًا بسبب من أسباب الروح.

ومن هذه الخاصية جاءت قدرتها الفائقة على أن تكون سماءً عاليةً لألمع نجوم القرآن، ولأسمى معانيه فغدا إرتباطها به إرتباطًا ملحميًا متينًا. فلا يُذكر إلاّ وتذكر معه ولا تذكر إلاّ ويذكر معها ، ومن هذا الارتباط الملحمي بينهما أصبحت علوم العربية وآدابها مدخلًا لا بدّ للدارسين والباحثين في علوم القرآن من الولوج منه، فمعرفة نحو العربية وصرفها وبيانها وبديعها وأسرار بلاغتها هي المدخل إلى أي علم من علوم الدين.

والعربية تنفرد بخصائص جمالية وفنية قلّما نجدها في لغة أخرى، فهي لغة مطواع بين يدي الأديب أو الشاعر، يشكل من طينة كلماتها ما يتسع له خياله من صور وأشكال، ثمّ ينفخ فيها من روحه فإذا المعنى صورة، وإذا الكلمات لوحة، وإذا قلم الأديب قد قام مقام ريشة الرّسّام. فصوّرَ وجسَّم ولوّن، وهذه القدرة العجيبة على التشكيل والتلوين لدى هذه اللغة دفعت ببعض النقاد إلى تسميتها بـ"اللغة الشاعرة".

ولا أظننا نجانب الصواب إذا ما نعتناها بنعت آخر إلى نعتها الأول فأسميناها"اللغة الساحرة"لما تتمتع به من قوة استحواذ على النفوس، ونفاذ في العقول. وربما إلى هذا الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ من البيان لسحرًا )

ويجدر أن نشير هنا إلى أن نعتي"الشعر"و"السحر"كانا المفضلين لدى كفار قريش لنعت القرآن والرسول في بدايات الدعوة الإسلامية. حتى أنّ أعرابيًا جافيًا يسمع قارئًا يقرأ: [ فاصدع بما تؤمر ] فلا يملك نفسه فيقع ساجدًا، ولما قيل له: ويحك آآمنت ..؟! قال: لا، ولكني سجدتُ لبلاغة هذه الكلمة .

وما من شك في أن ثمة تشابهًا من نوع ما بين السحر والشعر، فكلاهما ينبعثان من قوى خفية غامضة تكمن فيما وراء المعلوم والمحسوس، وكلاهما يستخدمان ما في الكلمات من طاقات بناء أو تدمير. وكلاهما يؤثران في المتلقي سلبًا أو إيجابًا، غير أنهما يختلفان بعد ذلك اختلافًا كبيرًا فيما يصدران عنه وينبعثان منه، فالسحر يستمد قواه المدمرة من منطقة ظلامية رهيبة تختفي في أغوار بعيدة من النفس، بينما الشعر طاقة شعورية إنسانية تستخدم اللغة للتعبير عن نفسها، وتتلون هذه الطاقة بلون المشاعر المنبعثة عنها كالتعبير عن الخير أو الشر، والحزن أو الفرح، وليس هناك حالة خامسة يمكن أن تتلبس الإنسان وتلون مشاعره، وكل الأغراض الأخرى التي قيل فيها الشعر لا تعدو أن تكون فروعًا من أصول تلك الأحوال الأربع.

ولغة القرآن تعلو على هذه المشاعر البشرية جميعًا، ولا تلتفت إليها وهو ـ أي القرآن ـ غير معني بأهواء النفس البشرية أو بالتعبير عنها، لأنه ليس شعرًا ليفعل ذلك، ولا سحرًا أسود ليستثير هذه المشاعر في الهدم والتخريب .

فالقرآن مهتم بقضايا الانسان من حيث كونه كائنًا كونيًا له رسالة هادفة هي إعمار الحياة والارتفاع بها في مراقي الارتقاء حتى تبلغ مستويات عالية من الجمال المادي والمعنوي .

ولما كانت"العربية"روحية المنبت في أصولها التاريخية الأولى فلا جرم أن يغشاها سر من أسرار الروح، ويكتنفها بعضٌ من قواه الآسرة، والنافذة في النفوس، الأمر الذي جعل القريشين يتوهمون أن ما يسمعونه لا يعدو عن كونه شعرًا أو سحرًا لما كانوا يحسونه عند استماعهم له ـ أي القرآن ـ من تأثير يأخذ بقلوبهم وعقولهم.

وكثرة الوجدانيات في تراث العربية يرجع في جملته إلى خاصيتها الروحية، فهذه الخاصية تغري المنشئين كتّابًا وشعراء أن يستثيروا الجوانب الروحية والوجدانية. فيما يبدعون من نثر أو شعر. فما تعرفه العربية من الشعر والشعراء يكاد يزيد على ما تعرفه الدنيا منهما، ولهذا نستطيع القول: إن العربية لغة الوجدانيات لا ينازعها في ذلك منازع.

وحين نقول: إن"العربية"لغة الوجدانيات، فنعني بذلك أنها لغة الحياة فالحياة أخصب وأوسع من أعظم الأفكار والفلسفات ، والوجدان أعلق بالحياة من كل فكر وألصق بها، فالوجدان والحياة صنوان لا يفترقان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت