فنحن نعيش الحياة بالوجدان قبل العقل، ونحياها بالشعور والحسّ قبل الفكر، ومن خلال الوجدان نلمس أجمل ما في الحياة من معانٍ، ومن خلاله نستطيب الحياة رغم الآمها وأحزانها ونستزيد عنها، كما يقول أبو العلاء المعري:
تعب كلها الحياة وما عجبي إلا من راغبٍ في ازدياد
وقد قدر للعربية أن تنشأ وتنمو في أحضان الشرق مهبط الديانات ومواطن الأنبياء والرسل، فأخذت وأعطت ، وتأثرت وأثّرت، وكان لها شرف الإسهام في إغناء وجدان الشرق وفي تشكيل نوازعه الروحانية، وبالمقابل فقد تأثرت بما كان يفيض عن هذا الوجدان من أسفار الحكمة والشعر والقصص والأساطير والمراثي والملاحم والبطولات .
ومن خلال هذا الشرق الخصب الموار بنوازعه الروحية والدينية مضت العربية تشقّ طريقها عبر هذا الزحام الهائل، فمضت تتصفّى وتعذب وترقّ حتى بلغت قمة نضجها وجمالها على لسان خلّص أبنائها من قريش معدن العرب والعروبة. ثم توّج هذا النضج والجمال نزول القرآن بلسانها، فقدت بذلك صلة الوصل بين وجدان القرآن ووجدان العالم في كل زمان ومكان .