فهرس الكتاب

الصفحة 12602 من 27345

د عثمان قدري مكانسي

هذه بداية تأملات تربوية في كتاب الله - تعالى -، ليس فيها من التفسير إلا ما يخدم الفكرة التربوية في القرآن الكريم، أجلّي فيها الأسلوب التربوي، وأشير إليه دون الخوض في المعاني إلا بما يناسب الهدف التربوي نفسه. وقد أشير إلى هدف بلاغيّ أو تعبير لغويّ أو توجيه نحوي يخدم الهدف التربوي الذي أريد تجليته....والله ولي التوفيق.

1-أسلوب التنبيه:

أساليب التنبيه في القرآن الكريم كثيرة كلما مررنا على واحد منها ذكرناه إن شاء الله - تعالى - في موقعه.. وهنا نجد السورة تبدأ مثل كثير من سور القرآن الكريم بالحروف المقطعة، ك. ه. ي. ع. ص. فالأول والرابع والخامس منها ممدودة والثاني والثالث غير ذلك، مما يشد انتباه السامع والقارئ على حد سواء بطريقتين مجتمعتين قبل البدء بقراءة الجمل والمعاني، هما"الحروف المبهمة"و"الأداء الموسيقي"

والمفسرون يوردون تفسير هذه الحروف منسوبة إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره، فالكاف"كريم"والهاء"هادٍ"والياء"قوي، ذو الأيدِ"والعين"عليم"والصاد"صادق الوعد".... إن البدء بحروف متقطعة ذات جرس موسيقيّ مختلف يجعل المتلقي يرهف السمع، إليها لغرابتها فلا يضيع عليه ما بعدها.... ومن ناحية أخرى نجد المتلقي يتساءل في قرارة نفسه عن معناها وطريقة أدائها ليصل إلى تأويلات عدّة، منها: أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف وأخواتها، فإن استطعت أن تأتي بمثلها فافعل. وإلا ثبت أنها من لدن عليم خبير.

2-التأمل والتدبر:

إن كلمة"ذكر"في قوله - تعالى -"ذكر رحمة ربك عبدَه زكريا"توحي بأمور كثيرة يتفاعل بها المتلقي سامعًا وقارئًا. منها:

-إعمال الفكر، وتقليب المعاني في ذكر الله - تعالى -عبده الصالح زكريا، وسبب تخصيصه بهذا الفضل العظيم حين ذكره

-وأن التذكر ليس ضد النسيان دائمًا، فالله - سبحانه وتعالى - منزه عن النقائص، والنسيان نقيصة."لا يضل ربي ولا ينسى""وما كان ربك نسيّا""أحصاه الله ونسوه". إنما التذكر هنا رفع لمقام زكريا - عليه السلام -، واستجابةٌ لدعوته، وخصُّه بالرحمة.

-وأن ذكر الله - عز وجل - يرفع مقام صاحبه في عليين"فاذكروني أذكرْكم""ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأً ذكرته في ملأٍ خير من ملئه"...

-وانظر معي إلى هذا الربط الرائع بين النبيين الكريمين، فهما أخوان كريمان يستقيان من نبع واحد، ويستضيئان من مشكاة واحدة، فكلمة"ربك"خطاب لنبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - تدل على أعلى مراتب الإنسان: العبودية لله - تعالى -، فمادام اللهُ ربَّه فهو - عليه الصلاة والسلام - عبدُه. وزكريا - عليه الصلاة والسلام - عبده، فاجتمعا في هذه المكانة العلية. وبما أنهما مثال يُحتذى كانت الدعوة لنا من الله - تعالى -أن نكون من عباده.

3 -إغاثة الملهوف:

فزكريا - عليه السلام - لجأ إلى الله - تعالى -، واتجه إليه في دعائه وسأله من فضله،"إذ نادى ربه نداء خفيّا"، فأجابه الله إذ رحمه ووهبه غلامًا زكيًا. وهذه لفتة كريمة تحض على مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم إن استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

4 أدب الخطاب: ويتجلى ذلك في أمور عدّة:

أولها: التحبب: من أحب شيئًا أكثر من ذكره. وأنت حين تخاطب من تحب يتكرر اسمه على لسانك. فزكريا - عليه السلام - ذكر ربه خمس مرات في جمل قليلة:"رب إني وهن العظم مني""ولم أكن بدعائك رب شقيا""واجعله رب رضيًا""قال رب أنى يكون لي غلام..""قال رب اجعل لي آية". وعلى هذا قبل الله - تعالى -ربوبيته لعبده زكريا حين قال - سبحانه:"إذ نادى ربه نداء خفيًّا".

ثانيها: النداء الخافت: فالله - تعالى -يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. وحين سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا ينادي الله بصوت عالٍ، قال: له إنك لا تنادي أصمّ بل سميعا بصيرًا. وحين سأله رجل: هل ربك قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ نزل قوله - تعالى:"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ.."."نداء خفيًا". لأنه معه،"ونحن أقرب إليه من حبل الوريد".

ثالثها: التذلل إلى الله قبل الطلب: فقد عرض الحال بتسلسل منطقي، وأدب جم، فبدأ بذاته الداخلية"إني وهن العظم مني"ولم يقل وهن عظمي فكان صادقًا فليس كل عظمه واهنًا وإلا لم يستطع الحركة، وإنما أراد أن يقول: إنه ضعف وشاخ. وثنّى بجزء منه لكنه الإطار الخارجي منه"واشتعل الرأس شيبًا. فلئن كان شعره منه إلا أن بعضه خارج جسمه، أما العظم فمختلط بلحمه وشحمه. ثم التمس تقبل الدعاء وإجابة الرجاء مادحًا ربه:"ولم أكن بدعائك رب شقيًّا"فأنت يا رب سميع الدعاء، ولن تردني خائبًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت