د. يحيى عبد الله*
مقدمات حول الموضوع:
الحمد لله القوي العزيز، الجبار المنتقم، الذي بيده ملكوت كل شيء، القاهر فوق عباده، يُعز من يشاء ويُذلّ من يشاء، (( يعلم ما تكسب كلُّ نفسٍ وسيعلم الكفّار لمن عُقبى الدار ) ) [سورة الرعد: 142] .
والصلاة والسلام على نبي الرحمة، ورسول الملحمة، سيد المجاهدين، الذي يُتَّقى به إذا حمي الوطيس, القائل: (جُعِل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجُعِل الذلُّ و الصَّغار على من خالف أمري) [رواه أحمد: مسند عبد الله بن عمر] . وعلى أصحابه الأخيار وصحابته الأطهار، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يُبدِّلوا ولم يُغيِّروا, باعوا أنفسهم لله فاشتراها منهم؛ فكانوا هم الرابحين, تأسّوْا بنبيهم ففلقوا هام الجبابرة المتغطرسين[الغطريس: الظالم المتكبر كما قال النابغة:
فلولا حبالٌ منكم هي اسلستْ جبائبنا كنا الأباة الغطارسا]
، وعلى من اتبع هداهم واقتفى أثرهم واختط سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد..
فإن الحديث عن العمليات الاستشهادية - وخاصة في هذا الوقت- عملٌ جللٌ يُملي على الدعاة ضرورة إحياء تلك الفريضة التي هي ذروة سنام الإسلام، ولأجل الدفع لعارضات الهوى الذي تمليه فتنة القعود وشهوة التسلط وكبرياء الفراعنة الذين يبغوننا الفتنة، وفينا سمّاعون لهم!!
إن الحديث عن التأصيل له أسلوبه الخاص به، بحيث يُعنى بعرض الحقائق بطريقة تختلف عن أسلوب التذكير و التحريض والتحليل الشخصي إلا بقدر ما يرتبط بالمنهاج المُتّبع الذي نهتدي به في تفسير نصوص الشرع وتأويله.
وهذا ما حدا بي للحديث عن مقدِّمات ينبني عليها الموضوع؛ ويكون بذلك نابعًا عن الأصل الذي ينضبط به المجتمع المسلم المتأسّي بقيم الدين.
المقدمة الأولى: التصور الإسلامي لتفسير التاريخ:
إن الناظر لأول وهلة لا يرى علاقةً لهذه المقدمة بالموضوع الذي نحن بصدده، ولكن عند النظر لمقالات العلمانيين والمحللين السياسيين الماديين وتفسيرهم لحركة المجاهدين تظهر جليًا ضرورة هذه المقدمة، زيادةً على ما تحمله مقالات أولئك من المصطلحات، ومدى تأثير المصطلحات على الموضوع؛ وعليه فإننا نذكر بعض الملامح للتصور الإسلامي لتفسير التاريخ منها:
[1] مراعاة الحقائق التي قررها القرآن الكريم:
مثل:"الأصل في عقائد البشر التوحيد لا الشرك", لقوله تعالى: (( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) ) [سورة البقرة: 213] ، أي كانوا أمةً واحدة على التوحيد.
وبعثة الرسل مرتَّبة على ترك الناس للتوحيد وانحرافهم عنه، أو على أن معرفة التشريعات التفصيلية، وتداخل المصالح، والقدرة على ترتيب الأولويات، و معرفة الجزاءات ليس في مقدورهم، فبعث الله النبيين، وهذا حال من تقدير محذوف وعلى كلا التفسيرين مرادنا محقق.
وأي تفسير يعكس هذه الحقيقة ويجعل الأصل في الناس الشرك والتوحيد طارئ نتيجة للتطور راجع إلى أمرين:
الأول: إنكار الوحي والنبوة وأن الوصول إلى التوحيد من تعدد الآلهة مجهود بشري نتيجة الارتقاء العقلي والثقافي.
الثاني: التأثر بنظرية داروين بحيث أعملنا النشوء والارتقاء في مجال العقيدة الدينية.
وعلى هذا فإن الرجوع إلى أصل التوحيد وعدم الإشراك بالله في كل ناحية من نواحي الحياة تطبيقًا لقول الله تعالى: (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك ) ) [سورة الأنعام: 162] أمر لابد منه وبهذا ندحض التعبير بالأصولية والرجعية والتخلف والرجوع إلى العصور المظلمة وغير ذلك من المصطلحات التي تؤثر حتى على المؤمنين الغافلين.
إن من زاوية توحيد الله المطلق تتفرع عقيدة الولاء والبراء على أساس هذا الإيمان أو الإشراك به.
[2] تفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام:
إن دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه العقيدة تتأثر كثيرًا بالتطلع إلى الجزاء الأخروي, وصفوة المؤمنين لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم؛ لأنهم يعلمون أن الشرك يحبط عملهم (( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكوننَّ من الخاسرين ) ) [سورة الزمر: 65] .
إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه يجعل من البدهي التسليم بأن الدافع للسلف في مشاركتهم في الفتوح ونشر الإسلام والتمكين له لم يكن دافعًا دنيويًا ولا رغبة في التسلط والاستحواذ ولا طمعًا في خيرات البلاد المفتوحة, ولا فرارًا من شظف الحياة في الصحراء كما يزعم المستشرقون, أو مثلما هو حاصل في واقعنا المعاصر ممن هو قادر على البطش بالمستضعفين.