فهرس الكتاب

الصفحة 9147 من 27345

روى الطبري خبر مفاوضة المغيرة بن شعبة لرستم, وما ردَّ به على عروض رستم المادية مقابل تخلي المسلمين عن القتال حيث أجابه المغيرة بقوله:"أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله, وننفذ أمره, وننجز موعده, وندعوكم إلى الإسلام وحكمه, فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلَّفنا فيكم كتاب الله, وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا نفوسكم بالجزية، فإن فعلتم وإلا فإن الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم، فاقبلوا نصيحتنا فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم.." [تاريخ الطبري: 3/528،530، والسيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري: 1/34] .

وروى الطبري أن رِبْعِي بن عامر دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه فسأله: ما جاء بكم؟ فقال:"الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فأرْسَلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه".

إن ما قاله كل من ربعي بن عامر والمغيرة ليس معبرًا عن شعور فردي, وإنما كان يمثل الفكرة المهيمنة على قيادة المسلمين ومعظم المجاهدين.

ولا يمنع هذا من مشاركة بعض الأعراب في الجهاد ممن تحفّزهم العوامل المادية وهنا يظهر ضرورة حركة الإسلام اليوم أن تتحرك بكل جمهورها على ما عليه حالهم من مستوى الإسلام و الإيمان والإحسان كما كان في جيش السلف مَن جاء فيه قوله جلَّ شأنه: (( سيقول المخلّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم ) ) [سورة الفتح: 15] ، وقوله: (( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ) [سورة آل عمران: 152] .

بل منهم من هو منافق عُلِم نفاقه ومنهم من علم الله وحده نفاقهم وهذا لا يعيب الخط العام طالما أن القيادة بيد من دخلوا في السِلْم كافة.

إن الدراسات اليوم معظمها تصدر عن مفكرين عاشوا في بيئة بعيدة عن الإسلام - وإن كانوا في بلاد المسلمين- لها حضارتها وفلسفتها ومقاييسها وأذواقها, فيصعب عليهم تذوق الإسلام وبالتالي يتعذر عليهم فهم دوافع السلوك المسلم في حركته الفردية و الجماعية وهذا يدلُّنا أمرين مهمين:

الأول: خطورة الاعتماد على هذه التفسيرات والانطلاق منها.

الثاني: ضرورة التأني في الفرز و الحكم على أبناء المسلمين الذين تربوا على هذا النمط.

[3] تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله:

إن المؤرخ المسلم لا يحكم على المستوى الذي تبلغه أية حضارة من خلال منجزاتها المادية فقط, وإنما ينظر إلى مدى تحقيقها للهدف الأساسي الذي وضعه الخالق عز وجل لخلقه بقوله: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) [سورة الذاريات: 56] .

فالحضارة مهما تقدمت ماديًا فإنها تبقى في نظر المؤرخ المسلم"متخلفة"و"قاصرة"مادامت لا تهيّئ الظروف الملائمة لعبادة الله والوفاء بالالتزام بشرعه.

والحضارة الإسلامية نفسها مرت بمراحل مختلفة تاريخيًا, ولم يكن التضخم في منجزاتها المادية إلا في القرن الثالث والرابع, ومع ذلك يبقى في نظر المسلم أن عصر صدر الإسلام يمثل أوج الحضارة, لأنه أكثر ملاءمة لعبادة الله وتوحيده, وسلوك المسلمين في صدر الإسلام أكثر التزامًا بتعاليم الشريعة من سلوك المسلمين في القرن الرابع الهجري، وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [متفق عليه] ، فالمسلم الذي يرى قمة الحضارة في تطابق النظرية الإسلامية مع الواقع التاريخي هو المنفلت من كمّاشة الحضارة الغربية، والمستعلي بالإسلام والإيمان والشعور بالذات والاستقلال الروحي والفكري الذي يمثل الخطوة الصحيحة إلى طريق الحضارة [انظر السيرة النبوية الصحيحة: 1/36] . وهذا محك التباين وبيت القصيد في اختلاف تحليل سلوك المجاهدين وتفسير بواعثهم بالأسباب الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو النفسية أو غير ذلك عند قوم, أو تفسيرها بكون الواقع المادي البحت لا يشبع رغباتهم, ولا هو مُواتٍ لما يعتقدونه من توحيد الله عز وجل في كل شأن من شؤون حياتهم, وبالتالي لا يسعدهم في هذه الحياة الدنيا فضلًا عن الآخرة التي هي الحيوان لمن يعلمون.

[4] رفض منطق التبرير كأساس لتفسير صدر الإسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت