فهرس الكتاب

الصفحة 10342 من 27345

المدخل إلى قضيةالنص والتأويل ' (2/2)

بقلم عبدالله بن عبدالرحمن النديم

"...قدم الكاتب في الجزء الأول مقدمة عن النص والتأويل وابتداء الحديث عن هذه القضية الفكرية الشائكة ، وفي هذا الجزء الثاني امتداد لتلك الرحلة ومتابعة للحديث عن أشهر المدارس التي تناولت قضية النص والتأويل بشيء من الإيجاز..."

ومهما يكنْ من أمر ٍ ، فإنَّ التيّاراتِ التغريبيّة َ اختزلتِ المشكلة َ في الثقافةِ السائدةِ في العالم ِ الإسلاميِّ ، بما تحويهِ من مواردَ وتطبيقاتٍ ، وبدأ من هنا توجيهُ النقدِ للنصِّ وللخطابِ الدينيِّ ، وهذا ما يُفسرُ لنا سببَ اعتناءِ كثير ٍ من ملاحدةِ العربِ وزنادقتهِ بالنصوص ِ الشرعيّةِ ، مع عدم ِ إيمانِهم بها أو بمكانتِها ، والتصدّي للبحثِ فيها والكلام ِ عليها ، وذلكَ ليكتملَ لهُم ما يُريدُونهُ من نقدِ النصِّ نقدًا مُباشرًا .

ظهرتْ كتاباتٌ كثيرة ٌ في مسألةِ النصِّ وكيفيّةِ التعامل ِ معهُ ، ورأى أصحابُها أنَّ العقلَ العربيَّ لا بُدَّ أن يتطوّرَ وهذا التطوّرُ يقفُ دونهُ حواجز ُ كثيرة ٌ ، على رأسِها النصُّ ، فكانَ لا بُدَّ من إخضاع ِ النصِّ لعمليّةِ التطوير بتأويلهِ ليتكيّفَ مع معطياتِ الواقع ِ الجديدةِ ، ويُصبحَ نصًّا مُتفاعلًا مع الصيرورةِ التأريخيّةِ ، وليسَ نصًّا جامدًا مُتعاليًا على الواقع ِ ، أو بتجاوز ِ النصِّ وهدمهِ عبرَ التشكيكِ فيهِ ، إمّا ثبوتًا أو دِلالة ً ، ويتلخّصُ رأي هؤلاءِ في قول ِ أحدِهم واصفًا فكرهم:"أنّهُ الفكرُ الذي ينهضُ على النصِّ ، لكنْ بتأويل ٍ يجعلُ النصَّ قابلًا للتكيّفِ مع الواقع ِ وتجدّدهِ ، أو الفكر ِ الذي لا يرى في النصِّ أيّة مرجعيّةٍ ، ويعتمدُ أساسًا على العقل ِ لا النقل ِ".

ويلاحظ ُ في النقل ِ السابق ِ أنَّ تطويرَ النصَّ بتأويلهِ يوازي عندهم إلغاءهُ بالكليّةِ ، وذلكَ أنَّ عمليّة َ التأويل ِ هي تعطيلٌ في حقيقتها للنصِّ ، وقد ذكرَ قريبًا من ذلكَ فيما مضى الإمامُ ابنُ القيّم ِ في كتابهِ"الصواعقُ المُرسلة ُ".

وثمة أمرًا مُهمًّا وهو أنَّ أطروحاتِ التحديثِ في العالم ِ الإسلاميَّ ، لو اقتصرَ أصحابُها فيها على الجانبِ المادّيِّ ، لما وجدوا تلكَ الصعوباتِ في نشر ِ ما يُريدونَ ، ولكنّهم جعلوا التحديثَ الفكريَّ لازمًا للتحديثِ الماديِّ ، وقرنوا العلومَ التجريبيّة َ والماديّة َ بالعلوم ِ الفكريّةِ والإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ ، ورأوا ضرورة َ تشرّبِ الفكر ِ الإسلاميِّ للفكر ِ الغربيِّ ، وهذا ما جعلَ مشاريعهم تواجهُ برفض ٍ شديدٍ ، ممّا حداهم إلى ضرورةِ إيجادِ مخرج ٍ من هذا الأمر ِ ، على أن تستمرَّ قضيتُهم في إطارها المُحدّدِ ، وهو الرفضُ التامُّ للفصل ِ بينَ الأمرين ِ - التحديثِ الماديِّ والفكريِّ - ، وإن أدّاهم ذلكَ إلى رفض ِ الإسلام ِ ، وهذا ما وقعوا فيهِ لاحقًا عندما ألغوا الإسلامَ بإلغاءِ أصولهِ وقواعدهِ القائمةِ أساسًا على الأدلة الشرعيّةِ .

وهذا ما يؤكّدهُ محمّد أركون في معرض ِ حديثهِ عن معوّقاتِ الحداثةِ قائلًا:"ولا تزالُ تحولُ دونَ تشكّل ِ المُجتمع ِ المدنيِّ ودولةِ الحقِّ والقانون ِ والشخص ِ - الفرد - المواطن ِ ، بصفتِهم فاعلينَ مُتداخلينَ للمسار ِ التاريخيِّ ، الهادفِ للوصول ِ إلى الحداثةِ الفكريّةِ والروحيّةِ والسياسيّةِ التي لا تنفصمُ !!"، وهذا الرأي هو رأيُ الأغلبيّةِ من المفكّرينَ التغريبيينَ ، ممّن يرونَ الحداثة َ بكامل ِ أشكالِها أمرًا لا بُدَّ منهُ للوصول ِ بالأمّةِ إلى مصافِّ التحضّر ِ ، وتخلّفُ أحدِ الصور ِ - الفكريِّ منها أو الماديِّ - يعني سقوطَ المشروع ِ الحضاريِّ بتمامهِ ! .

بدا واضحًا ممّا سبقَ أنَّ معاركَ الحداثةِ كانتْ تصطدمُ على صخرةِ الإسلام ِ ، وتُواجهُ بالنصوص ِ الشرعيّةِ ، الأمرُ الذي أدّى بهؤلاءِ التغريبيينَ إلى رفض ِ النصوص ِ ومُحاولةِ التشكيكِ فيها والنيل ِ من مكانتِها ، رغبة ً في الوصول ِ إلى الحداثةِ الغربيّةِ الشاملةِ .

ولا بُدَّ لي هنا أنْ أبيّنَ الفرقَ بينَ النصِّ وبينَ الخطابِ الدينيِّ ، فأمّا النصُّ الذي يتحدّثُ عنهُ المفكّرونَ في كُتبِهم فهو غيرُ النصِّ الذي يقصدهُ الأصوليّونَ ، والنصُّ عندَ الأصوليينَ هوَ الذي لا يحتملُ إلا معنىً واحدًا ، فإذا قالَ فقيهٌ: هذا نصٌّ في المسألةِ ، أي أنّهُ نُصَّ على حكمِها نصًّا صريحًا ، ويُقابلُ النصَّ عندَ الأصوليينَ: الظاهرُ ، والظاهرُ ما احتملَ معنيين ِ أحدُهما أظهرُ من الآخر ِ ، وأمّا في الفكر ِ المُعاصر ِ فالنصُّ هو السلطة ُ الخبريّة ُ التي تُلزمُ النّاسَ أن يرجعوا إليها ، وفي كثير ٍ من الأحيان ِ يُقصرُ النصُّ على القرءان ِ ، وذلكَ لأنَّ أكثرَ هؤلاءِ لا يعتدّونَ بالسنّةِ جملة ً وتفصيلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت