فهرس الكتاب

الصفحة 10341 من 27345

لماذا يعرض الناس عنه؟ لا بد من سبب ولا بد من علة، ولعله في الرسالة تخلو الرسالة تمامًا من كل امتيازاتها إذا سكتت عن بيان العلة، العلة في هذا أن الإنسان في الدنيا حينما نتعمق في فهمه لا يكفي أن نعرض له الحقيقة وإنما يجب أن نحطم السدود والقيود التي تمنعه من الأخذ بهذه الحقيقة، ما الذي يشكل هذه السدود والقيود؟ أعراف الناس، أفكار الناس، شهوات الأنفس، ما على وجه الأرض من زينة ومتاع فالإنسان في الواقع أحد رجلين إما رجل قادر على أن يسمو بنفسه فوق الضرورات فهو يستطيع في كل حين أن يلتزم بالحق أو إنسان ملوث بالشهوات مأسور لها فهو عاجز أبدًا -طالما هو في هذه الحالة- عن رؤية الحقيقة، وعن اعتناق الحقيقة والأخذ بها، هل سكت الله جل وعلا عن بيان هذه العلة؟ ارجعوا فورًا إلى أول سورة.. ما هي أول سورة نزلت من القرآن؟ أول نداء صافح سمع النبي صلى الله عليه وسلم ماذا كان: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ما الذي قال الله في تلك السورة؟ قال: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) حينما يشعر الإنسان بأنه مخول بنعم كثيرة مال وأولاد وجاه وسلطان وما أشبه ذلك ينسى نفسه معتمدًا على قوة خارج ذاته، وأية قوة فوق ذاته وخارج ذاته هي طغيان، وسدًا في وجهه أمام الحقيقة هنا يبدأ مقتل الإنسان هنا يدركه العمى ولا يستطيع أن يرى الحق لمجرد أن يتجاوز الإنسان حده وأن يشعر بأنه مستغن عن ربه فحينئذ يبدأ الشيطان بالتلعب به تلعبًا خطيرًا هل هي هذه الإشارة فقط لا وإنما قال الله جل وعلا في السورة الثانية في سورة القلم: (فلا تطع المكذبين ودُّوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم) ماذا؟ (أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) فذلك الذي يكون ذا مال كثير وبنين كثيرين إذا تليت عليه آيات الله تبارك وتعالى، ولى مستكبرًا؛ وقال أساطير الأولين.

ماذا يقول الله تبارك وتعالى في السورة الثالثة في سورة المزمل يقول:

)وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلًا(.

فأولوا النعمة هم المترفون وهم المتنعمون ثم هم المكذبون فهذا الاستغناء الناتج عن انغماس الإنسان في الشهوات وضياعه في مسار النعم المتدفقة عليه من كل جانب هو الذي يعميه وهو الذي يحول بينه وبين رؤية الحقيقة واعتناق الحقيقة وأخذ نفسه بهذه الحقيقة.

قلت إن الرسالة تفرغ من كل معناها وكل مبرراتها لو سكتت عن تشريع هذا الوضع فالله جل وعلا حين يعرض شأن الوليد وموقفه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقفه من الملأ من قريش من هذا القرآن وتكذيبه بأن يكون القرآن منزلًا من عند الله وادعاءه بأن هذا القرآن سحر يؤثر كان الدافع إلى ذلك ماذا أن الوليد مستغن من جملة المستغنين عبد من عبيد الشهوات إنسان صرعته النعمة صرعًا وأصبح لا يستطيع أن يرى الحقيقة. واجب الإسلام كما سنرى بعد التعمق في دراسته وتحليله أن يعيد تنظيم شؤون الحياة وتوزيع خيرات الحياة على نحو لا يؤثر على الفطرة الإنسانية أن يجعل النعمة في يد الإنسان لا في قلب الإنسان أن يجعل الإنسان سيد النعمة ولا يجعل النعمة هي سيدة الإنسان، بهذا يضمن الإسلام للإنسان أن يكون فعلًا متحررًا من جميع الدوافع ومن جميع الجواذب ثم أن يجعله في كل وقت قادرًا على رؤية الحقيقة بذاتها عند هذا الحد نقف وإن كنت لا أرغب في أن أفصل الكلام من جانب آخر يتصل بفلسفة الدعوة وبجانبها الحركي لكني سأرجئ هذا إن شاء الله تعالى إلى فرصة أخرى ننظر في الآيات التي مرت جميعًا وفي السور الأربعة التي مرت جميعًا نظرًا تفصيليًا لهدف من ورائه في تقعيد القواعد وتأصيل الأصول وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت