فهرس الكتاب

الصفحة 5344 من 27345

د. صلاح عبد المتعال / إسلام أون لاين

نستطيع أن نعرف"التدين"بأنه نمط سلوكي وأسلوب حياة، بغرض التمسك والالتزام بأفكار المعتقد الديني وتعاليمه تجاه الخالق والمجتمع؛ إذ يتميز بالإرادة لتعديل السلوك استجابة لمضمون العقيدة الدينية. وينطبق ذلك على معظم الأديان والمعتقدات منذ استجاب الإنسان عبر التاريخ لنداء الفطرة الدينية.

ويمكن أن يُنعَت"التدين الجديد"بأنه عملية اجتماعية يؤدي انتشارها وعموميتها إلى اتخاذ شكل الظاهرة بشروط نشأتها وتطورها، فضلا عن العمومية، مثل القهر والإلزام والتأثير المتبادل مع الظواهر الاجتماعية الأخرى: السياسية، والاقتصادية، والتربوية، والأسرية، والمناخ الثقافي السائد.

وهي مثل غيرها من العمليات والظواهر الأخرى، تسري عليها سنن وقوانين التغير الاجتماعي، وتتأثر بالأبعاد المكانية والزمنية والثقافية، وحركة المجتمع في تقدمه أو تخلفه.

وتخضع عملية التفسير للتدين الجديد أو"المستحدث"إلى نفس القواعد المنهجية في عملية الاستقصاء والبحث بمستوياته المختلفة، بدءا من الأسلوب الانطباعي Common sense methodology. إلى المنهج التجريبي المباشر أو غير المباشر، أي المنهج المقارن، أو التاريخي التوثيقي. كما تخضع أيضا عملية تفسير ظاهرة التدين المستحدث إلى مبدأ التعدد في التفسير، بسبب تعدد الخلفيات الفكرية والأيديولوجية للمفسرين.

لذلك اختلفت التفسيرات من قبل المفكرين اللبراليين والاشتراكيين أو اليساريين، والإسلاميين بمختلف أطيافهم المذهبية.

نظرة على التاريخ

وقد ارتبط ظهور"التدين المستحدث"وتطوره أو"المتدينين الجدد"وكذلك الدعاة، بالمرحلة التاريخية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، خاصة العربية منها، وذلك من حيث إنهم جزء لا يتجزأ من مراحل الدعوة الإسلامية، منذ سقوط الخلافة العثمانية والفترة السابقة لها المهيئة لذلك السقوط، حيث حاول الدعاة استنهاض الأمة بعد بياتها الحضاري الذي تسبب في تخلفها، ثم استقطب نحوها الغزاة والمستعمرين.

فبعد بزوغ الحركة الوهابية التي أُجهضَت عسكريا ولكنها استمرت ثقافيا، ظهر دعاة الإصلاح مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ثم حسن البنا الذي يُعتبر من الدعاة الجدد في زمنه، وتمحورت دعوته بإعلاء شأن فريضة الجهاد التي جمدتها دعوى فصل الدين عن السياسة، التي تبناها الفكر الغربي المسيحي، ومن تبعه من رواد الفكر العربي المعاصر، خاصة في مصر والشام.

لقد كانت تلك انعطافة تاريخية للتيار الإسلامي الجديد الذي دفع به حسن البنا وجماعته، مما أثر بشدة في الأحداث التاريخية التي صاحبت حركة"الإخوان المسلمين"التي نزلت بها نوازل المحن والاضطهاد من قبل عملاء المستعمر الغربي وأضرابهم من الحكام العلمانيين.

وأفرزت هذه النوازل بالحركة الإسلامية الأم العديد من"الجماعات"الإسلامية التي أعلنت رفضها وتمردها على الأوضاع السياسية والاجتماعية، وطال تمردها الحركة الأم ذاتها لاختلاف هذه الجماعات معها حول منهج التغيير، حيث رأى هؤلاء أن أمر التحرر من قبضة الحكام المُكَفرين لا يحتمله الزمن الذي يجب اختصاره بمختلف أساليب القوة التي ألبت عليهم الأهل والأصدقاء، فضلا عن الحكام الذين اتخذوا من إرهاب هذه الجماعات غير المشروع مبررا لفرض الطوق والحصار على رغبة شعوبهم نحو التطور والتقدم، أو على الأقل تجاوز التخلف.

ثم تظهر بالضرورة من بين ثنايا المناخ السياسي للاستبداد - حتى لو اتشح بثوب الديمقراطية المزعومة - طلائع من الدعاة الجدد، فضلوا الابتعاد عن الصدام السياسي وتغيير لغة وأسلوب الخطاب الديني بشكل يتوافق مع مهادنة الدولة والبعد عن الصدام معها، كذلك هجر الأسلوب التقليدي في الوعظ والإرشاد وانتقاء محاور في العقيدة والسيرة النبوية التي تدور حول أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، مما كان يدغدغ مشاعر المحبة والذوبان في محبة الرسول واستنبات دوافع الالتزام بسنته وتعاليم القرآن الكريم.

نوعية الخطاب وتأثيراته

كان يغلب على الخطاب الديني لهؤلاء الدعاة الجدد السمت الوجداني أكثر من مقارعة الحجج الفكرية للأفكار العلمانية المضادة، مما جعل الانتعاش القلبي للمستمعين والمشاهدين يحلق بهم في آفاق الجمال والمتعة القلبية التي من شأنها أن تنسيهم هموم الدنيا وأعباء الحياة، وقد تُشكل لهم طاقة وقوة دافعة لتعديل ضروب سلوكهم وتصرفاتهم غير الملتزمة إلى أخرى ملتزمة، كان أبرزها التزام الفتيات بالحجاب وإقبال الشباب على إطلاق اللحى، ثم حرص البعض على صلاة الجماعة وصلوات القيام في رمضان وختم القرآن في العشر الأواخر منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت