وقد أخذت مساحة العبادات حيزا أكبر مما شغلته مساحة الالتزام الدقيق في المعاملات والتصرفات التحررية في مظاهر المناسبات الاجتماعية الوافدة من ثقافة الغرب، فلا مانع من الابتهاج بالرقص الجماعي في مناسبة زفاف أو عيد ميلاد وأمور أخرى مسكوت عنها في اجتهادات الفقه المعاصر.
الأمر الآخر هو الجمهور المخاطب الذي تنوع في باكورة نشاط الدعاة الجدد بين أبناء الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة وبين بعض أبناء النخب من الطبقة الأعلى، ثُم اتسعت الدائرة بعد الانتشار الإعلامي لبعض الدعاة الجدد الموهوبين لتشمل الكثير من شباب طبقة البسطاء من الناس الذين تمكنوا من مشاهدة الفضائيات، خاصة بعد انتشار استخدام الوصلات السلكية في القرى والأحياء الشعبية.
قد يكون انتشار تأثير الدعاة الجدد بين أبناء الطبقة الوسطى من وسائل تدعيم بنية هذه الطبقة، ومحاولة غير مقصودة - أو مقصودة - لرد الاعتبار لهذه الطبقة بعد أن أخذت في التآكل وغياب دورها في النهضة الفكرية والسياسية والاقتصادية، مما أدى إلى حدوث فراغ اجتماعي بين طبقة الأثرياء وطبقة البسطاء في الوظائف الاجتماعية فضلا عن البنية الاجتماعية.
وبالرغم من الذكاء السياسي الذي اتسمت بها ظاهرة المتدينين والدعاة الجدد، وعدم احتكاكها بالسلطة والميل إلى مهادنتها، فإن واقعها يحمل مضمونا سياسيا مستترا ستظهر آثاره في الزمن الآجل، مما يقلق النظم السياسية خاصة في مصر ويدفعهم للإعلان عن هواجسهم المريضة التي توشي بعدم ثقتهم بأنفسهم، واعتبارهم التدين المستحدث - رغم اعتداله - هو محاولة لاختراق العقول النيرة من الشباب المتعلم وصبغها بالسمت الإسلامي الذي سيُظهر هويته بالضرورة بعد أن يتبوأ هؤلاء الشباب مراكز اجتماعية مرموقة من شأنها أن تؤثر في صنع القرار الذي قد يكون ضد التيار المحافظ الذي يحرص النظام الحاكم على جريانه للحفاظ على مصالح قممه وحراسه.
مناورة حضارية!
إن التدين الجديد منهج مستحدث للتغيير الاجتماعي، ومناورة حضارية للوصول إلى أسلمة المجتمع، وقد يمثل خلفية مساندة للحركات الإسلامية المعاصرة دون الظهور في الصورة أو محاسبته سياسيا، مثل الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية التي تضع المشاركة السياسية في الحسبان.
وهذا المنهج الدعوي يضع نصب عينيه دعوة جميع أطراف البنية الطبقية، والصعود إلى قمة الهرم السياسي، من خلال شبابه، والنزول إلى قاع القاعدة الهرمية بين بسطاء الناس، ومرورا بطبيعة الحال بأبناء الطبقة الوسطى، وهذا المنهج سينعش بالضرورة اتجاهات الشباب نحو التغيير.
وبالرغم من عدم التنسيق بين مجهودات هؤلاء الدعاة، فإن أغلبهم يسير على مسارات متوازية مع حركة"الإخوان المسلمين"في مصر ونظيراتها في العالم العربي، رغم اختلاف البعض مع توجهاتها أو منهجها في العمل.
التطور واستشراف المآلات
وإذا رصدنا عملية وظاهرة التدين الجديد، نجد أنها تطورت عند عمرو خالد من السرد القصصي المشوق لسير الأنبياء وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته وأهل بيته وصحابته، إلى الاقتراب من فرص المشاركة في عملية التنمية وصناعة الحياة، وهذا هو الهدف الحضاري المشترك بين المنهج الذي أصبح يدعو إليه وبين حركة الاستنارة الحديثة التي ينادي بها منهج الحركة الإسلامية الأم لتحقيق الغاية من رسالة الإنسان لاستخلافه على عمران العالم والتقرب إلى الله تعالى وهداية الناس لعبادته.
ولكن التدين الجديد الذي أخذ ينتشر على رقعة اجتماعية واسعة يمكن أن يتعثر إذا عمل بمفرده ولم يأخذ في اعتباره جهود العمل الإسلامي المستنير في شتى جوانب الحياة. وقد ينحرف عن طريقه إذا تحول عند بعض الدعاة الآخرين إلى مجرد مشروعات تجارية أو استثمارية بسبب ثورة الاتصال ووسائلها الإلكترونية المتاحة.