فهرس الكتاب

الصفحة 14536 من 27345

حصائد ألسنتهم 24/2/1426

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم أما بعد:

فإن ثمة موضوعًا مهمًا جديرًا بالطرح؛ لشدة حاجتنا إليه، ولخطورة النتائج المترتبة عليه،

ألا وهو «مكانة اللسان وخطورته» .

فإن تلك الجارحة التي امتن الله بها علينا شأنها عظيم، وإن مما يدل على عظم أمرها ما حكاه الله _تعالى_ عن موسى _عليه السلام_ في قوله:"واحلل عقدة من لساني"وقوله:"ولا ينطلق لساني"وقوله عن أخيه هارون:"هو أفصح مني لسانًا". ويقول الله _سبحانه_ ممتنًا على عبده:"ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين".

وعندما نتأمل مثلًا حال المحروم من هذه النعمة _الأبكم_ فإننا ندرك عقليًا عظم هذه النعمة الإلهية.

هل يستطيع الأبكم أن يعبر عما في نفسه؟

إنه عندما يريد التعبير عن شيء فإنه يستخدم كثيرًا من أعضائه، ومع ذلك لا يشفي نفسه، ولا يبلغ مراده، وإن بلغه فبشق الأنفس.

إذن فنعمة اللسان من أجل النعم، ومن أكبر المنن الإلهية علينا.

فهل حافظنا عليها؟

هل استخدمناها في الخير وجنبناها الزور والوقيعة في أعراض الناس؟

إن النصوص تدل على خطورة أمر هذه الجارحة، وفداحة الخسارة الناجمة عن التهاون في حفظها، قال الله _تعالى_ في قصة الإفك:"إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم". وقال _تعالى_ في المنافقين:"فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد"

وقال _تعالى_:"يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم"،"وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى".

لذلك جاء الأمر بحفظ اللسان والتحذير من إطلاق العنان له:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا"، وفي الحديث الذي رواه الترمذي: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» ويقول الرسول _صلى الله عليه وسلم_ في الحديث المتفق على صحته: «من يضمن لي بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة» .

إن كثيرًا من الناس - وخاصة الطيبين المستقيمين- يضمنون ما بين الفخذين ، وهذه نعمة عظيمة وفقهم الله _تعالى_ إليها.

ولكن..! هل نضمن ما بين اللحيين؟ هل يمر علينا يوم بدون أن نقع في عرض مسلم، عالمًا كان أو غير عالم؟! ليحاسب كل امرئ نفسه؛ امتثالًا لقول الرسول _صلى الله عليه وسلم_: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه؛ وحذرًا من الوعيد في مثل قوله _عليه الصلاة والسلام_: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» متفق عليه.

وما أحكم قول الشاعر:

يصاب الفتى من عثرة بلسانه

وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

فعثرته بالقول تذهب رأسه

وعثرته بالرجل تبرا على مهل

قال حاتم الأصم: «لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك؛ لاحترزت منه. وكلامك يعرض على الله _جل وعلا_ فلا تحترز»

وهنا أمر لا بد من إبرازه:

لئن كانت غيبة العلماء من أشد وأقبح أنواع الغيبة ، فإن هذا لا يعني أن لحوم غيرهم من الناس مباحة، بل هي محرمة كذلك قال _تعالى_:"ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه"وقال _سبحانه_:"والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا".

وفي سنن أبي داود عن أنس _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» فكيف بالذي يقع في أعراض العلماء ؟ إنه والله انتهاك بشع.

ولابن القيم _رحمه الله_ كلام نفيس في هذا المعنى خليق أن يكتب بماء العيون؛ لأنه ينطبق بدقة على حال كثير من طلاب العلم، يقول:"وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت