الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد،،،
لما كان اختيار الدين هو أعظم وأهم عمل يقوم به الإنسان، وأنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ دينًا كيفما اتفق، ولا أن يقلد في دينه أحدًا لا آباءه ولا قومه، ولا عموم الناس، ولا غير ذلك. إذ أن هناك دين يقول الداعون إليه (وهم رسل الله) إن دينهم هو الحق وحده دون ما سواه، وأنه كل من اتخذ دينًا غيره فهو خاسر في الدنيا والآخرة ومعرض لعذاب خالق الكون وسخطه.
من أجل ذلك وجب على كل ذي عقل ولب أن يفكر في مقالة هؤلاء الداعين إلى هذا الدين، فإن كلامهم لو كان حقًا وخالفه من خالفه تعرض لما حذروا منه . قال تعالى مناديًا المنكرين والمستكبرين {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به} ؟! وجواب الشرط ماذا يكون أمركم وشأنكم لا شك أنكم ستتعرضون للعذاب والخسار.
فأما أن الإسلام هو الحق، وما عداه من دين فباطل، فالأدلة على هذا كثيرة جدًا، وهذا ذكر لمجموعة منها:
الكون كله شاهد على وحدانية الرب وعظمته وقدرته:
الكون الذي تعيش فيه كون مصنوع، وهو في غاية الاتساع والأحكام والدقة، بدءًا من الأجزاء الصغيرة (الذرة) إلى الأجرام الكبيرة (المجرة) . وكل جزء من هذا الكون مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأجزائه الأخرى بحيث أن حصول أي خلل فيه، لو كان صغيرًا يسبب فسادًا عظيمًا في الخلق: فالأرض في موقعها ومدارها والقمر والشمس، وسائر النجوم والكواكب والمجرات، يرتبط بعضها ببعض بنظام هو غايةٌ في الإبداع، وبحساب بالغ الدقة قال تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} أي بحساب بالغ الدقة.
وقال تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون* والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم* والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم* لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} .
ودقة الصنع، ودقة الحركة في هذه الأجرام الكبيرة هو كذلك في كل عنصر صغير من عناصر الوجود، فالإنسان والنبات والحيوان كل فرد منها في نفسه في غاية من الإحكام والنظام، بل كل عضو وجزء من أجزاء كل مخلوق قد صنع بدقة وإحكام متناه، فالعين والأذن واليد والرجل، وكل عضو من المخلوق الحي آية من آيات الله في إحكامه وخلقه ووظائفه، وكذلك كل جزء في النبات من الأوراق والأزهار والساق، والثمار، وحبوب اللقاح، والأنابيب الشعرية الموصلة للماء والغذاء آيات كثيرة لا يمكن استقصاها ولا الإحاطه بها، وكلها في غاية الدقة والإعجاز.
وهذه آيات الخلق التي لا تحصى كثرة من أعظم الدلائل البينات على أن خالق الكون إله واحد لم يشاركه أحد في خلقه، وأنه عليم قدير قائم على هذا الخلق، وأن غيره لا يقوم مقامه فيه أبدًا.
وهذه الحقيقة التي يمكن أن يستخلصها ذو عقل حكيم عن طريق النظر بنفسه في هذا الكون قد جاءت كذلك حقيقة خبرية على ألسنة الرسل، ففي القرآن الكريم وجهنا الله إلى هذه الحقيقة في آيات كثيرة جدًا من كتابه العظيم القرآن.
قال تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم* إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} (البقرة:163-164) .
وقال تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليمًا غفورًا} (فاطر:41) .
وقال تعالى: {حم* تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم* إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين* وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون* واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} (الجاثية:1-5) .
وأدلة الخلق على وحدانية الخالق وأنه سبحانه الإله الواحد القادر القاهر العليم الحكيم، القوي الحافظ لهذا الخلق هي بعدد كل مخلوقات الله، إذ كل مخلوق في نفسه آية على ذلك فالله هو الذي أحسن كل شيء خلقه، وهو خالق كل شيء.
والخلق كله كتاب مفتوح لمن يقرأ... ولكن قليلًا من الناس جدًا من يقرأ صفحات هذا الكتاب بل يسير كثير منهم وكأنهم عميان لا يرون شمسًا ولا قمرًا، ولا نجومًا، ولا سماءًا ولا أرضًا بل لا يرون أنفسهم قال تعالى: {وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} ، وقال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} .
يستحيل أن يكون هذا الخلق العظيم لغير غاية وبغير هدف: