فهرس الكتاب

الصفحة 24754 من 27345

حامد عبد الله العلي

*** يمضى عليهم الليل والنهار ، لا يفرقون بينهما ، والفضاء المترامي الأرجاء ، قد ضاق عليهم فصار كسم الخياط ، جاثمون على ركبهم في زنزانة سوداء الجدران ملؤها الكآبة ، ليس فيها إلا مصباح ضئيل يجاهد لتمزيق الظلام فلا يفلح إلا قليلا ، قد ذبلت أجسامهم ، فصارت كأفراخ ضم الجوع والبؤس بين ضلوعها ، فهي تعانق الحزن والأسى صباح مساء .

*** شاحبة وجوههم ، شاخصة أبصارهم ، مرتعشة أيديهم ، محزونة قلوبهم على مصاب الإسلام في كل بقاع الأرض ، يسمعون هدير أمواج جزيرة (غوانتناموا ) ، وزمجرة رعودها ، وزفيف رياحها ، وقعقعة سلاسل الحديد بين أرجلهم وأيديهم ، فيحسبون أنها نذر شؤم ، تأتيهم من مستقبل مجهول ، في عالم مجهول ، أو أنها أجراس الموت تعج عجيجا ، وتلج لجيجا ، فتبعث في الكبد لهيجا .

*** يقاسون الآلام الشداد ، قد غدت قلوبهم نهبا مقسما في يد الهموم والأفكار ، بعضها مما يحاك بالعالم الإسلامي من المكر الكبار ، و بعضها مما هم فيه من البلاء ، وبعضها من ذكرى الآباء والأمهات الذين يعالجون كل يوم أنين الوالهين ، وينفثون زفرات المكروبين ، والأولاد الصغار الذين خلفوهم ، فهم يلحفون في السؤال للام المفجوعة:

*** أين أبي يا أماه ، ما فعل أبونا حتى يذهبوا به ، فيلقوه هناك ، بعيدا عنا في تلك الجزيرة الموحشة ، وحيدا طريدا ، لماذا يلبسونه هذا اللباس ، لماذا يكبلونه بهذا الحديد ، ما ذنبه يا أماه ، ولماذا لا يأخذون الذين يقتلون المسلمين في فلسطين؟ ويأخذون آباءنا بدلا منهم ؟

*** فتفيض الدموع من مقلتيها ، وتمسك بيد الصغير ، وتجيب بصوت متقطع لا يكاد يبين: أي بني ، ليس لأبيك ذنب ، أبوك البطل ، قد نذر نفسه لامر عظيم جلل ، قد نذر نفسه لينصر الإسلام ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

*** وسيرجع إليك ليأخذ بيدك الصغيرة هذه ، ويذهب معك إلى حيث كنتما تذهبان وتلعبان ، أو يختاره الله شهيدا ، فتحيى بموته أمته من بعده ، وحسبت الأم أن هذه الكلمات كبيرة على عقل ولدها الصغير ، ولكنها أرادت أن تبقى في ذهنه حتى إذا كبر استرجعها ، فغدت له نبراسا يعلي همته ، فيغدو بطلا مجاهدا كأبيه .

*** وبينما أولئك الليوث القابعة وراء تلك القضبان ، على هذا الحال ، وبين هذه الهموم ، إذا جاءهم صدق يقينهم بالله ، فقذف في صدورهم الانشراح ، وتنزلت عليهم قوة توكلهم على الله فأرسلت على قلوبهم أعطر الرياح ، وتذكرت قلوبهم احتساب ثواب الآخرة فعادت إلى أرواحهم الأفراح .

*** إن الأبطال الذين في غوانتناموا ـ مهما حاول الإعلام الغربي زخرفة جريمة أسرهم ـ ليسوا سوى ضحية إرهاب القوى العظمى ، التي في سبيل بلوغها أوج الاستكبار تعبث بكل الفضائل الإنسانية، وتعمى عن كل القيم البشرية، وتستخف بكل حق ، وتتلاعب بكل نظام ، بروح طاغية في الاستبداد ، وسادرة في العلو في الأرض والفساد .

*** وهاهم الأمريكيون الذين نصبوا تمثال الحرية على مدخل إمبراطوريتهم الصهيونية ، ينتهكون كل حقوق الإنسان في حق هؤلاء الأسرى ، لتسقط عنهم أقنعة الزيف التي طالما تبجحوا بها .

*** ولقد صدق الكاتب الساخر ( برناندشو ) إذ قال ذات مرة ( يقولون إنني كاتب ساخر ،ولكن لم تبلغ بي السخرية أن أذهب إلى أمريكا وأرى تمثال الحرية على مدخلها ) .

*** ويا أيها المتفاخرون بجبروتهم ، القائلون: من أشد منا قوة ، تربصوا ، فستمضي عليكم سنة الله في المستكبرين ( استكبارا في الأرض ومكر السيء ، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ، فهل ينظرون إلا سنة الأولين ، فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا ، أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة ، وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا ) .

فيارب لا تبعث إلي منيتي إلى أن أرى الوعد المؤمل والنصرا

في نهضة بكرية عمرية تعيد إلينا مجدنا تارة أخرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت