* محمد مهدي الآصفي
لكي يتضح لنا رأي الدين في القضاء والقدر لابد أن نشرح نقاطًا ثلاثة تعتمد عليها النظرية، في الاطار الذي يرسمه الاسلام لها:
1 ـ من رأي الدين ان الأحداث الاجتماعية بمجموعها تنشأ عن قضاء وقدر إلهي، ولا يمكن أن تخرج عن علم الله، أو يحدث شيء من ذلك من دون مشيئة الله. فإن الله سبحانه مبدأ كل شيء، وليس من شيء أو حدث يخرج عن علم الله ومشيئته.
يقول القرآن الكريم في ذلك: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير) الحديد/ 22.
(يقولون هل لنا من الأمر شيء. قل إن الأمر كله لله) آل عمران/ 154.
2 ـ تنفذ المشيئة الإلهية في الكون ضمن سلسلة طويلة من الأسباب والعلل، ويتحكم مبدأ العلية في كل شيء في هذا الكون.
فإن الأحداث الكونية والاجتماعية تنشأ عن أسبابها وعللها التي لا يمكن أن تتخلف عنها بحال من الأحوال. ولكل حدث علته التي تحتم وجوده (القضاء) ، وتحدد شكله وتقدر حدوده (القدر) .
ولا يمكن أن يتخلف قانون العلية هذا، ولا أن يحدث شيء دون سبب وعلة؛ موجبة له.
فإذن يتم قضاء كل شيء وقدره في مرحلة وجود علته وسببه. وعلة كل شيء هي التي تقضي وجوده، وتقدر شكله ونوعه. ولا ينافي هذا الأصل الأصل المتقدم من إسناد الأحداث إلى قضاء الله وقدره ومشيئته وعلمه.
فإن الله، تعالى، هو مبدأ هذه السلسلة الطويلة من الأسباب والعلل في النظرية الدينية، وإليه تنتهي هذه السلسلة الممتدة من الأسباب والعلل.
وكلما يجوز إسناده إلى هذه العلل يجوز إسناده إلى الله تعالى كذلك، بالحقيقة. فهو مبدأ هذه السلسلة من العلل وخالقها، والمهيمن عليها.
3 ـ ويملك الانسان حرية الاختيار والتصرف، فهو يستطيع باختياره أن يضع نفسه أي موضع يشاء من هذه الأسباب والعلل، وله ملؤ الحرية في هذا الاختيار والتصرف وإن كان لا خيار له بعد ذلك فيما يترتب على هذا السبيل أو ذاك من خير أو شر.
فإن الإنسان يواجه في حياته مجموعة من العوامل والأسباب المختلفة، وكل عامل من هذه العوامل يقود الانسان إلى نتيجة حتمية، حسب قانون العلية.
ويقف الانسان على مفترق الطرق بين هذه العوامل والأسباب ليختار لحياته مسلكًا من هذه المسالك المختلفة، بحرية، ودون أن يرغمه على هذا الاختيار شيء.
وليس بين هذا الاختيار وحتمية النتائج التي يؤدي إليها اختياره من تناف.. فإن حتمية النتائج لا تؤدي إلى سلب اختيار الانسان في اختيار هذا السبيل أو ذاك من سبل. الحياة، وفي اختيار هذه الجهة أو تلك من هذه الجهات الكثيرة التي تعرض للانسان، وإن كان الانسان لا يملك بعد الاختيار أن يتجنب النتائج الحتمية التي يؤدي إليها اختباره.
فإن كل سبيل من هذه السبل علة لنتيجة محدودة وحتمية لا يمكن أن تتخلف عن سببها (بموجب قانون العلية) .
وإنكار الاختيار في الانسان، واعتباره أداة متحركة بفعل عوامل خارجة عن إرادته واختياره، كما يتحرك الحيوان، وكما يتحرك النبات والجماد بتأثير من عوامل خارجة عنها.. شيي يرفضه الوجدان.
فإن الكائنات الأخرى من غير الانسان ليس أمامها إلا سبيل واحد تسلكه، دون أن يكون لها اختيار في هذا السلوك، وتنتهي إلى نتائجها الحتمية بقانون العلية.
بينما الانسان يجد من نفسه بوضوح أنه يواجه دائمًا أكثر من طريق واحد، ويقف دائمًا على مفترق طرق كثيرة، في كل شؤون حياته وتحركاته، وأنه يملك ملء الحرية والاختيار في اختيار هذا السبيل أو ذاك، وفي اختيار هذه الجهة أو تلك.
وبذلك فليس من تناف بين (حتمية النتائج) التي هي نتيجة طبيعية لقانون العلية، وأساس لفكرة القضاء والقدر، وبين حرية الانسان (واختياره) .
-شواهد على القضاء والقدر:
والقضاء والقدر بهذا المعنى أمر شائع عند الناس، ومفهوم لديهم، قبل أن يكون من قضايا الدين والفلسفة.
فإن القائد الذي يسعى لتطوير جيشه، وتزويده بأحدث ما يمكن من أسلحة، وتدريبه على أفضل الأساليب في الحرب ويأخذ لجيشه بالمبادرة في الحرب، ويختار له الموضع العسكري المناسب، بصورة أفضل وأقوى من العدو يكسب المعركة (بصورة حتمية) .
بينما لو تقاعس القائد عن ذلك، ولم يهيئ لجيشه فرصًا وامكانات أفضل من فرص العدو وامكاناته، وكان العدو يتفوق عليه في متطلبات المعركة.. فسوف ينهزم في المعركة بصورة حتمية أيضًا.
وليس بين هذه الحتمية وذلك الاختيار تعارض أو تناف مطلقًا، وكسب المعركة في الحالة الأولى والهزيمة في الحالة الثانية كلاهما من قضاء الله وقدره.
إلا أن هذه الحتمية والقضاء الإلهي لا يعني أن القائد لم يكن يملك الاختيار في الحالتين معًا في تغيير أسلوبه في الإعداد للمعركة والتهيؤ لها.
-القضاء الإلهي في الأمم والجماعات:
ولا يختلف الأمر عما تقدم حينما نستعرض مسألة القضاء والقدر على صعيد اجتماعي.