فهرس الكتاب

الصفحة 3414 من 27345

فمن قضاء الله أن الأمة عندما تكون واعية لما يراد بها من ظلم واستغلال، وحينما تكون مدركة لمسؤولياتها، وحينما تتحرك في استرداد حقوقها تسترجع مكانتها، وترد عن نفسها الظلم والاستغلال حتمًا. وهذا قضاء الله.

وحينما تكون فاقدة للوعي، غير مدركة لمسؤولياتها، خامدة خاملة وراكنة إلى الظلم.. تتعرض لكثير من الظلم والاستغلال والاستبداد والنهب، وهذا أيضًا قضاء من الله.

وللانسان أن يختار بمليء حريته أيًا من القضائين. والدين، بعد ذلك يأمر باختيار نوع من هذا القضاء، وينهي عن اختيار نوع آخر منه.

فهو يوجه المجتمع إلى الوعي والإدراك والتحرك والصمود، وينهى عن الجبن والتخاذل والركون للظلم.

(فاستقم كما أمرت، ومَن تاب معك، ولا تطغوا، انه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) هود/ 11-112.

وهذه الحقيقة يذكرها القرآن في أوضح وأوجز ما يكون من بيان.

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/ 11.

فلا يغير الله ما بقوم من نعمة وعدل إلا أن يبدأ الناس أنفسهم بالظلم والإفساد، ولا يغير ما بهم من فساد إلى صلاح إلا أن يبدأ الناس أنفسهم باصلاح واقعهم.

-نتيجة البحث:

ومما تقدم من حديث في استعراض قضية القضاء في الدين يتبين لنا أمران:

أولًا: ان الإيمان بنشوء الأحداث الاجتماعية مطلقًا عن قضاء وقدر من الله سبحانه وتعالى لا يعني اعطاء تبريرات دينية، كما يقول ماركس، لهذه الأحداث.

فلا يبرر القضاء والقدر وجود فوارق وامتيازات طبقية في مجتمع ما، كما لا يبرر الإيمان بالقضاء والقدر تخلفًا اقتصاديًا أو عسكريًا، أو هزيمة في الحرب، أو رسوبًا في الامتحان، أو فشلًا في الحياة.

وإنما مهمة النظرية، كما تقدم، هي اعطاء تفسير كامل للأحداث الكونية والاجتماعية في تسلسلها الطبيعي وربطها بالقضاء والقدر في تسلسل هذه الأسباب وتعاقبها. فهو تفسير متكامل للأحداث الاجتماعية، وليس تبريرًا.

ثانيًا: ان الدين يفترض أن الانسان مزود بحرية الاختيار بين أنحاء قضاء الله وقدره، وعليه تقع تبعية الاختيار ومسؤوليته، فإن الحرية بقدر ما ترفع عن كاهل الانسان الإجبار والاضطرار تضع على عاتقه مسؤولية الاختيار وتبعاته.

(إنا هديناه السبيل إما شاكرًا، وإما كفورًا) الدهر/ 3.

(فمن شاء فليؤمن، ومَن شاء فليكفر) الكهف/ 29.

فلا يعني الإيمان بالقضاء والقدر رفض المسؤولية، والغاءها من حياة الانسان، فإن الإيمان بالقضاء والقدر لما كان لا يسلب الانسان حريته، فإنه يضعه وجهًا لوجه إزاء مسؤولية أعماله واتجاهاته وتصرفاته، وما يؤول إليه أمره من شقاء وبؤس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت