فهرس الكتاب

الصفحة 14963 من 27345

(دراسة فقهية)

الحمد لله الذي هدانا لخير دين ، فأزال به ظلمات الكفر والشرك، وأضاء لنا به القلوب والعقول، ووفقنا لإتباع خير هدي، هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أقام هذا الدين باذلًا الغالي والنفيس، مبتغيًا وجه ربه، وعلى من اتبع هداه، وبعد: يقول الله تعالى:- ] فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [. [التوبة/ 122] فأرشد سبحانه إلى ضرورة أن يكون في الأمة من يفقهها في دينها، ويبين لها الحق من الباطل، وأناط ذلك بأهل العلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) . [البخاري ومسلم] . والفقه دقة الفهم. وقال أيضا: ( ألم يكن شفاء العي السؤال ) . [عبد الرزاق في المصنف] . ومعنى العي: الجهل.

لقد كان لقرار المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الذي اتخذته حركة المقاومة الإسلامية - حماس - أصداء واسعة، على جميع المستويات، الشرعية والسياسية والاجتماعية. ونود في هذه النشرة أن نبين لكم الحكم الشرعي في قرار المشاركة، حتى تكونوا على بينة من أمر دينكم، ولنضعكم أمام مسؤولياتكم.

إن الحكم الشرعي في المشاركة في انتخابات المجالس النيابية أو البرلمانية أو التشريعية في العالم العربي والإسلامي، قد وقع فيه خلاف فقهي بين العلماء، فالمسألة ليس فيها نص قاطع بالإباحة أو الحظر، وعليه فاختلاف الآراء فيها أمر لا غرابة فيه، فالصحابة اختلفوا في فهم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم- ( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) . فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم. [البخاري:3/125] . وكيف يعنف أحدًا وهو القائل: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد ) . [البخاري ومسلم] . وفيما يلي بيان وجهتي نظر المانعين والمجيزين، مع عرض أدلة كل فريق، وبيان الرأي الراجح في المسألة.

أولًا: المانعون وأدلتهم

أشهر القائلين بالمنع هم حزب التحرير وجماعات السلفية الجهادية وجماعات التكفير والهجرة. وجملة قولهم: إن هذه المجالس جزء من نظام جاهلي، لا يحكم بشريعة الإسلام، ويَسُنّ القوانين الوضعية، ويحارب الدعاة، ويتطاول على الدين ويستهزئ به. فالمشاركة في مجالس هذه صفتها حرام شرعا. ويستدلون لذلك بالقرآن والسنة والمعقول.

أدلتهم من القران:

1.قال الله تعالى: ] إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [. [يوسف/40] . فالحكم والتشريع لله وحده، وهذه المجالس من مهامها تشريع القوانين، فكيف يجوز دخول مثل هذه المجالس وهي تعتدي على مقام الألوهية بتشريع الأحكام؟! وكيف يرضى دعاة مسلمون أن يكونوا جزءا من المشرعين من دون الله؟!!

وهذا غير مُسَلَّم لهم: حقًا إن التشريع لله وحده، وإن غير شريعة الإسلام باطلة، لكننا نقول: إن الدعاة المشاركين في هذه المجالس لا يُقِرّون ما يخالف شريعة الإسلام، بل يعارضونه وينكرونه، ويعملون على تغييره بألسنتهم وأيديهم ما وسعهم الجهد. يقول الشهيد سيد قطب: ( إن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله، وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله، وكذلك الذين يُقرّون المُنازِعَ على ادعائه، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه، فكلهم سواء في ميزان الله ) . [الظلال: 4/242] . فهل الذي يشارك في هذه المجالس لينكر ويغير، يسمى مقِرًّا لهؤلاء على باطلهم؟!!!

ثم إن القوانين التي تُسَنّ في المجالس التشريعية أو البرلمانات على ثلاثة أنواع:

أولا: قوانين تخالف الدين الإسلامي، وهذه لا يسع المسلم المتمسك بدينه إلا أن ينكرها لأنها منكر، فإذا أيد أو سكت فهو مشارك لأهلها في الإثم، كإباحة الخمر.

ثانيا: قوانين مشروعة بنص الكتاب والسنة، وهذه لا يسع المسلم إلا أن يدعمها ويوافق عليها، كبعض أحكام المعاملات، وأحكام الأحوال الشخصية.

ثالثا: قوانين سكت الشرع عنها، فلا هو منعها ولا أمر بها، وهذه يجب على النائب المسلم الذي جعل القران والسنة دليله أن يعرضها على الشرع، فما وافقه أيده، وما عارضه أنكره.

وهكذا نرى أن دعوى المانعين من المشاركة في المجلس التشريعي ليست مسلّمة لهم على إطلاقها، فكما يسع المسلم أن ينكر ما يخالف الشرع في البيت والعمل والشارع والمسجد، فكذلك يمكنه إنكاره في المجالس التشريعية أو البرلمانية، بل إن الإنكار فيها أجدى وأبعد أثرا في الناس والمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت